تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبصار العين في أنصار الحسين (ع) (ط. زمزم هدايت) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧

وكان عمر بن سعد أراد الموادعة فسأل الحسين ( ع ) عما أتى به فأخبره ، وخيّره بين الرجوع إلى مكّة واللحوق ببعض الشعوب النائية والجبال القاصية ، فكتب بذلك إلى ابن زياد فأجابه بالتهديد والإيعاد وباعتزال العمل وتوليته لشمر بن ذي الجوشن إن لم ينازل الحسين ( ع ) أو يستنزله على حكمه ، فوصل الكتاب إلى عمر بن سعد في اليوم السادس من المحرّم ، وقد تكامل عنده من الرجال عشرون ألفاً ، فقطع المراسلات بينه وبين الحسين وضيّق عليه ومنع عليه ورود الماء وطلب منه إحدى الحالتين النزول أو المنازلة ، فجعل يتسلل إلى الحسين من أصحاب عمر بن سعد في ظلام الليل الواحد والاثنان حتّى بلغوا في اليوم العاشر زهاء ثلاثين ممّن هداهم اللَّه إلى السعادة ووفقهم للشهادة . ثمّ إنّ الحسين ( ع ) عطش في اليوم الثامن فأرسل أخاه العبّاس في عشرين فارساً ومثلهم راجلًا فأزالوا الحرس عن المراصد وشربوا وملؤا قربهم ورجعوا ، ثمّ أتى أمر من عبيداللَّه إلى عمر بن سعد يستحثّه على المنازلة ، فركبوا خيولهم وأحاطوا بالحسين ( ع ) وأهل بيته وأصحابه فأرسل الحسين ( ع ) أخاه العبّاس ومعه جملة من أصحابه وقال : سلهم التأجيل إلى غد إن استطعت ، وكان ذلك اليوم تاسع محرّم فأجّلوه بعد مؤامرة بينهم وملاومة ، فلمّا دجا الليل بات أُولئك الانجاب بين قائم وقاعد وراكع وساجد ، وإنّ الحرس لتسمع منهم في التلاوة دويّاً كدوي النحل ، ثمّ جاءهم سيّدهم الحسين ( ع ) فخطبهم وقال : « أُثني على اللَّه أحسن الثناء ، وأحمدُه على السرّاء والضرّاء ، اللهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين » . أما بعد : « فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل‌بيتٍ أبرّ ولا أوصل من أهل‌بيتي فجزاكم اللَّه عنّي خيراً ، ألاو إنّي لأظنّ أن لنا يوماً من هؤلاء ، ألا وإنّي قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حِلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جَمَلًا ودعوني وهؤلاء القوم فإنّهم ليس يريدون غيري » . « 1 » فأبى عليه أهل بيته وأصحابه وأجابوه بما شكرهم عليه ، فخرج عنهم وتركهم على ما هم عليه من العبادة ينظر في شؤونه ويوصي بمهماته .

هامش
( 1 ) . راجع الإرشاد : 2 / 91 .