أقطع المعتصم الناس الدّور بسرّ من رأى وأعطاهم النفقات لبنائها ، ولم يقطع الحسين بن الضحّاك شيئا .
فدخل عليه فأنشده قوله
: /
يا أمين اللَّه لا خطَّة [ 1 ] لي
ولقد أفردت صحبي بخطط
أنا في دهياء من مظلمة
تحمل الشيخ على كلّ غلط
صعبة المسلك يرتاع لها
كلّ من أصعد فيها وهبط
بوّني [ 2 ] منك كما بوّأتهم
عرصة تبسط طرفي ما انبسط
أبتني فيها لنفسي موطنا
ولعقبي فرطا بعد فرط
لم يزل منك قريبا مسكني
فأعد لي عادة القرب فقط
كلّ من قرّبته مغتبط [ 3 ]
ولمن أبعدت خزي وسخط
قال : فأقطعه دارا وأعطاه ألف دينار لنفقته عليها .
حاز شعرا لأبي العتاهية
: أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أخبرني عمّي الفضل عن الحسين بن الضحّاك قال :
كنت أمشي مع أبي العتاهية ، فمررت بمقبرة وفيها باكية تبكي بصوت شج على ابن لها . فقال أبو العتاهية :
أما تنفكّ باكية بعين
غزير دمعها كمد حشاها
أجز يا حسين ؛ فقلت :
تنادي حفرة أعيت جوابا
فقد ولهت [ 4 ] وصمّ بها صداها [ 5 ]
نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه
: حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى قال حدّثني الحسين بن الضحّاك قال :
كنت عازما على أن أرثي الأمين [ 6 ] بلساني كلَّه وأشفي لوعتي . فلقيني أبو العتاهية فقال لي : يا حسين ، أنا إليك مائل ولك محبّ ، وقد علمت مكانك من الأمين ، وإنه لحقيق بأن ترثيه ، إلَّا أنك قد أطلقت لسانك من التلهّف عليه والتوجّع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه ، وهذا المأمون منصب إلى العراق قد أقبل عليك ؛ فأبق على نفسك ؛ يا ويحك ! أتجسر على أن تقول :
هامش
[ 1 ] الخطة : المكان المختط لعمارة وغيرها ، وهي أيضا أرض يختطها الرجل لم تكن لأحد قبله .
[ 2 ] بوّني : أصلها « بوّئني » ، سهلت الهمزة فصارت ياء ثم حذفت لصيغة الأمر .
[ 3 ] يقال : فلان مغتبط ( بكسر الباء ) إذا كان في نعمة ، ومغتبط ( بفتح الباء ) إذا اغتبطه الغير على نعمة وتمنى أن يكون مثله .
[ 4 ] الوله : الحزن أو ذهاب العقل لفقدان الحبيب .
[ 5 ] الصدى : الصوت الذي يرده الجبل إذا رفع فيه الإنسان صوته . وصمم الصدى كناية عن الهلاك ، يقال : أصم اللَّه صداه إذا أهلكه ، وصمّ صداه . قال امرؤ القيس :صم صداها وعفا رسمها
واستعجمت عن منطق السائل[ 6 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « الأمير » وهو تحريف .