فلا ذاك يعذر في فعله
وحقّك في الناس أن تقتلا
وأشبه شيء بما اختاره
ضراطك دون الخلا في الملا
استعطف أبا أحمد بن الرشيد وكان قد غضب عليه
: حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة قال :
مزح أبو أحمد بن الرشيد مع حسين بن الضحّاك مزاحا أغضبه ، فجاوبه حسين جوابا غضب منه أبو أحمد أيضا . فمضى إليه حسين من غد فاعتذر إليه وتنصّل وحلف ؛ فأظهر له قبولا لعذره . ورأى ثقلا في طرفه وانقباضا عما كان يعهده منه ؛ فقال في ذلك :
لا تعجبنّ لملَّة صرفت
وجه الأمير فإنه بشر
وإذا نبا بك في سريرته
عقد الضمير نبا بك البصر
حكى للنشار صحبته للأمين وإكرامه له
: حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أبو محمد بن النشار قال :
كان أبي صديقا للحسين بن الضحّاك وكان يعاشره ؛ فحملني معه يوما إليه ، وجعل أبي يحادثه إلى أن قال له :
يا أبا عليّ ، قد تأخّرت أرزاقك وانقطعت موادّك ونفقتك كثيرة ، فكيف يمشي أمرك ؟ فقال له : بلى واللَّه يا أخي ، ما قوام أمري إلا ببقايا هبات الأمين محمد بن زبيدة وذخائره وهبات جارية له - لم يسمّها - / أغنتني للأبد لشيء ظريف جرى على غير تعمّد ؛ وذلك أنّ الأمين دعاني يوما فقال لي : يا حسين ، إن جليس الرجل عشيره وثقته وموضع سرّه وأمنه ، وإن جاريتي فلانة أحسن الناس / وجها وغناء ، وهي منّي بحمل نفسي ، وقد كدّرت عليّ صفوها ونغّصت عليّ النعمة فيها بعجبها بنفسها وتجنّيها [ 1 ] عليّ وإدلالها بما تعلم من حبّي إياها . وإني محضرها ومحضر صاحبة لها ليست منها في شيء لتغنّي معها . فإذا غنّت وأومأت لك إليها - على أن أمرها أبين من أن يخفى عليك - فلا تستحسن الغناء ولا تشرب عليه ؛ وإذا غنّت الأخرى فاشرب واطرب واستحسن واشقق ثيابك ، وعليّ مكان كل ثوب مائة ثوب . فقلت : السمع والطاعة . فجلس في حجرة الخلوة وأحضرني وسقاني وخلع عليّ ، وغنّت المحسنة وقد أخذ الشراب منّي ، فما تمالكت أن استحسنت وطربت وشربت ، فأومأ إليّ وقطَّب في وجهي . ثم غنّت الأخرى فجعلت أتكلَّف ما أقوله وأفعله . ثم غنّت المحسنة ثانية فأتت بما لم أسمع مثله قطَّ حسنا ، فما ملكت نفسي أن صحت وشربت وطربت ، وهو ينظر إليّ ويعضّ شفتيه غيظا ، وقد زال عقلي فما أفكَّر فيه ، حتى فعلت ذلك مرارا ؛ وكلما ازداد شربي ذهب عقلي وزدت ممّا يكره ؛ فغضب فأمضّني وأمر بجرّ رجلي من بين يديه وصرفي فجررت وصرفت ، فأمر بأن أحجب . وجاءني الناس يتوجّعون لي ويسألوني عن قصّتي فأقول لهم : حمل عليّ النبيذ فأسأت أدبي ، فقوّمني أمير المؤمنين بصرفي وعاقبني بمنعي من الوصول إليه . ومضى لما أنا فيه شهر ، ثم جاءتني البشارة أنّه قد رضي عنّي ، وأمر بإحضاري فحضرت وأنا خائف . فلما وصلت أعطاني الأمين يده فقبّلتها ، وضحك إليّ وقام وقال : اتبعني ، ودخل إلى تلك الحجرة بعينها ولم يحضر غيري . وغنّت المحسنة التي نالني من أجلها ما
هامش
[ 1 ] في ح : « وتسحبها » والتسحب : التدلل .