/ دخلت يوما على المتوكَّل وهو جالس في صحن خلده [ 1 ] وفي يده غصن آس وهو يتمّثل بهذا الشعر :
بالشّطَّ لي سكن أفديه من سكن
أهدى من الآس لي غصنين في غصن
فقلت إذ نظما إلفين والتبسا
سقيا ورعيا لفأل فيكما حسن
فالآس لا شكّ آس من تشوّقنا
شاف وآس لنا يبقى على الزمن
أبشر تماني بأسباب ستجمعنا
إن شاء ربي ومهما يقضه يكن
قال : فلما فرغ من إنشادها قال لي وكدت أنشقّ حسدا : لمن هذا الشعر يا عليّ ؟ فقلت : للحسين بن الضحّاك يا سيّدي . فقال لي : هو عندي أشعر أهل زماننا وأملحهم مذهبا وأظرفهم نمطا [ 2 ] . فقلت وقد زاد غيظي : في الغزل يا مولاي . قال : وفي غيره وإن رغم أنفك ومتّ حسدا . وكنت قد مدحته بقصيدة وأردت إنشادها يومئذ فلم أفعل ، وعلمت أنّي لا أنتفع مع ما جرى بيننا بشيء لا به ولا بالقصيدة ، فأخّرتها إلى وقت آخر .
قصته مع شفيع خادم المتوكل وشعره فيه
: أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلَّبيّ قال حدّثني أبي قال :
أحبّ المتوكَّل على اللَّه أن ينادمه حسين بن الضحّاك وأن يرى ما بقي من شهوته لما كان عليه ؛ فأحضره وقد كبر وضعف ، فسقاه حتى سكر ، وقال لخادمه شفيع : اسقه ، فسقاه وحيّاه بوردة ، وكانت على شفيع ثياب مورّدة ؛ فمدّ الحسين يده إلى ذراع شفيع . فقال له المتوكل : يا حسين ، أتجمّش [ 3 ] أخصّ خدمي عندي بحضرتي ! فكيف لو خلوت ! ما أحوجك إلى أدب ! وقد كان المتوكَّل غمز شفيعا / على العبث به . فقال الحسين : يا سيّدي ، أريد دواة وقرطاسا ، فأمر له بذلك ، فكتب بخطَّه :
وكالوردة الحمراء حيّا بأحمر
من الورد يمشي في قراطق [ 4 ] كالورد
له عبثات عند كلّ تحيّة
بعينيه تستدعي الحليم إلى الوجد
تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربة
تذكَّرني ما قد نسيت من العهد
سقى اللَّه دهرا لم أبت فيه ليلة
خليّا ولكن من حبيب على وعد
ثم دفع الرقعة إلى شفيع وقال له : ادفعها إلى مولاك . فلما قرأها استملحها وقال : أحسنت واللَّه يا حسين ! لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك ، ولكن بحياتي إلَّا كنت ساقيه باقي يومه هذا واخدمه كما تخدمني ؛ وأمر له بمال كثير حمل معه لمّا انصرف . قال أحمد بن يزيد فحدّثني أبي قال : صرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكَّل بأيام ، فقلت له : ويلك ! أتدري ما صنعت ؟ ! قال : نعم أدري ، وما كنت لأدع عادتي بشيء ؛ وقد قلت بعدك :
هامش
[ 1 ] الخلد : قصر للمنصور العباسي على شاطىء دجلة توارثه أبناؤه من بعده .
[ 2 ] في ح : « أعظما » .
[ 3 ] كذا في ح . والجمش والتجميش : ضرب من المغازلة والملاعبة . وفي سائر الأصول : « أتجس » .
[ 4 ] القرطق كجندب : قباء ذو طاق واحد .