وقال: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ »، وقال: « يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ »، وقال:« إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ».
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا؟! أفخصّكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: أن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه، والزعيم محمد صلّى اللّه عليه وآله، والموعد القيامة
فهي عليها السلام قد أوردت آيات الميراث التي تثبت بعمومها أو اطلاقها أن حكم الميراث شامل للأنبياء ولغيرهم، في مثل يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فهذا الخطاب كما يشمل عامة الناس يشمل النبي صلى الله عليه وآله، وهكذا قوله تعالى (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) فهو يشمل النبي وغيره، وقد يقال بأن الحديث الذي نقله الخليفة مخصص لآيات القرآن فيمكن أن يأتي حكم عام في القرآن وتأتي السنة لكي تخصصه، فليكن هذا الحديث مخصصا لآيات القرآن في موضوع الأنبياء بأن يكون كل أحد يرث من وارثه إلا الأنبياء فإنهم لا يرثون ولا يورثون.. فردت الزهراء عليها السلام على هذا الاحتمال بأن أوردت آيات القرآن الخاصة بميراث الأنبياء أنفسهم خاصة مما ينفي هذا التوجيه بالكامل فاستشهدت بآية ميراث سليمان من داود وميراث يحيى من زكريا! فهذه الآيات تكذب ما قيل من أن الأنبياء هذا شأنهم أن لا يرث بعضهم بعضا! ولم يقل الحديث المنسوب للنبي محمد أنا هكذا وإنما قال ـ بحسب ذلك الحديث ـ نحن معاشر الأنبياء وهذا ما تكذبه آيات القرآن.
وبالرغم من أن بعض المدافعين عن (خطأ) الخلفاء حاولوا تفسير هذه الآيات بأن المقصود منها هو وراثة العلم والنبوة دون المال والمتاع إلا أنه دفاع هزيل فهو إخراج اللفظ عن معناه الحقيقي من دون مبرر ولو فتح الباب لهذا لضاعت الأحاديث ومعانيها بل القرآن وأحكامه إذ لا يحمل اللفظ على غير معناه الحقيقي إلا لعدم إمكان ذلك لسبب من الأسباب وليس منها تنزيه الخليفة!! على أن هذا الحمل في نفسه غير ممكن فمتى كانت النبوة والعلم بالوراثة؟ لو كانت كذلك لورث العلم والنبوة ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه، وابن نوح الذي هو (عمل غير صالح)، وهكذا! إن النبوة اختيار الهي خاص لا يحصل لشخص لأن أباه فلان فلم يكن والد سيد الأنبياء نبيا، ولا العلم يحصل لشخص لأن والده كان عالما! فلا معنى لأن يرث يحيى النبوة او العلم من أبيه زكريا أو سليمان من داود!
بل إنها عليها السلام أشارت بشكل غير مباشر إلى التشكيك في صدور هذا الحديث؛ فإنها أكدت أن النبي وعليا عليهما السلام أعلم منكم بخصوص القرآن ولا مجال للمقارنة بينكم وبينهم، وهم لم يعملوا بما يدعى من تخصيص القرآن بالحديث! بل ترقت فوق ذلك بالقول إلى أن هذا الحديث المدعى يخالف القرآن ويصادم أحكامه فمن يزعم صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله يقول ـ بوعي أو غير وعي ـ إن النبي يخالف أحكام القرآن ويرغب عن آياته! وتعجبت باستغراب من دعوى ذلك فقالت: "سبحان اللّه! ما كان أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن كتاب اللّه صادفا ولا لأحكامه مخالفا! بل كان يتّبع أثره، ويقفو سوره. أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور؟ وهذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل في حياته [96]".
وحتى تغلق سلام الله عليها الباب تماما على الاتجاه المخالف في الاستدلال أشارت إلى أنه لا يوجد بعدما تحقق المقتضي للإرث أي مانع منه إلا أن تزعموا أن ابنته على غير ملته والعياذ بالله فإن الكافر لا يرث من مسلم " أم هل تقولون: أن أهل ملتين لا يتوارثان أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟"
ثالثاً وأخيراً: فدك.. رمز الحق المغصوب:
هامش
96 (المصدر السابق ٢٠١