والشقاق، وفُهتُم[113]بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص[114]وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع[115]وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام[116] تشربون الطَّرَق [117]وتقتاتون القد[118] أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله، وبعد أن مني ببهم[119]الرجال وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين[120]قذف أخاه في لهواتها[121] فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه[122]ويخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله، مشمرا ناصحا، مجدا، كادحا، وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون [123]آمنون، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال، فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق[124]وسمل[125]جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل[126]الأقلين وهدر فنيق[127]المبطلين فخطر في عرصاتكم واطلع الشيطان رأسه من مغرزه[128]هاتفا بكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم[129]فألفاكم غضابا فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم هذا والعهد قريب والكلم[130]رحيب، والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر، ابتدارا [131]زعمتم خوف الفتنة (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)، فهيهات منكم، وكيف بكم، وأني تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها[132]ويسلس قيادها[133] ثم أخذتم تورون وقدتها[134]وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي وإهمال سنن النبي الصفي، تشربون حسوا في ارتغاء[135]وتمشون لأهله وولده في الخُمرة والضراء[136] ونصبر منكم على مثل حز المُدى[137] ووخز السنان في الحشا، وأنتم الآن تزعمون: أن لا إرث لنا، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)؟! أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية: أني ابنته.
أيها المسلمون أغلب على إرثيه؟ يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا إرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريًّا! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) وقال:
هامش
113 ) تفوهتم بكلمة التوحيد
114 ) يقصد بهم أهل البيت
115 ) مذقة: شربة قليلة، ونهزة: فرصة ينتهزها الطامع
116 ) قبسة العجلان: كل متعجل يأخذ منكم ويسلبكم، وموطئ الأقدام: تداسون بالأقدام
117 (الطرق: المياه الوسخة المطروقة بأبوال الإبل
118 ) الجلد غير المدبوغ
119 ) شجعان الرجال، وكذلك ذؤبان العرب
120 ) فغر: فتح فمه
121 ) لهوات: جمع لهاة وهي لحمة في أقصى الفم
122 ) الأخمص: الأقدام
123 ) ساكنون ناعمون
124 ) عداوته
125 ) أصبح خلِقا قديما
126 ) ظهر من لا قيمة لهم
127 ) الفنيق هو الفحل من الابل، وهدر ارتفع صوته
128 ) تشبيه بالقنفذ الذي يخرج رأسه بعد زوال الخوف
129 ) استفزكم
130 ) الجرح
131 ) استباقا
132 ) نفرت الدابة جزعت وتباعدت
133 ) يسهل
134 (تشعلون لهبها
135 ) وحسوا في ارتغاء: مثل يضرب لمن يظهر ويريد غيره
136 ) الخمر بالفتح: ما واراك من شجر وغيره، والضراء بالفتح: الشجر الملتف بالوادي.
137 ) قطع السكاكين