إن خلافة تبدأ في الايام الاولى من عهدها بظلم ابنة الزعيم الذي أتى بهذا الدين، ماذا ستصنع بغيرها؟
هل يمكن لهذه الخلافة ان تؤمن حقوق الناس العاديين والضعفاء الذين لا يمتلكون هذه المكانة والرفعة الاعتبارية؟
الخلافة اما ان تعرف الأحكام الشرعية او لا. فان كانت تعرفها وتخالفها فتلك مصيبة. و ان كانت جاهلة بها اصلا، فكيف لها ان تسير امة و رسالة كما سيرها رسول الله، وباسم رسول الله؟.
لذلك فدك اصبحت شعارا لحق مضيع، ينقل ان الإمام الكاظم قال للمهدي (ما بال مظلمتنا لا ترد)[97]، يعني فدكا.... لو صحت هذه الرواية، لعل الإمام يريد أن يشير بفدك الى الخلافة المغتصبة والإمامة المختطفة من أهل البيت.
دافعت الزهراء سلام الله عليها عن هذا الحق – حق شرعية الإمامة – وأمست اول شهيدة في هذه القضية المقدسة. ضحت بجنينها المحسن، وبنفسها، لاحقة لأبيها، مظلومة مهضومة مكروبة – الى حد أن يقول أمير المؤمنين في الزيارة (وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها، فاحفها السؤال، و استخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا..)
نص خطبتي فاطمة الزهراء عليها السلام
1/ خطبتها في المسجد ( المشهورة بالخطبة الفدكية )
روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه عليهم السلام[98]: إنه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكا وبلغها ذلك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لُمّة[99] من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة[100]فجلست ثم أنّتْ أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت عليها السلام:الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في التفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، وإظهارا لقدرته، تعبدا لبريته وإعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع
هامش
97 ) الكليني، الكافي (دار الحديث) ٢/ ٧٢٥.. لَمَّا ورَدَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَهْدِيِّ رَآهُ يَرُدُّ الْمَظَالِمَ، فَقَالَ: « يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا بَالُ مَظْلِمَتِنَا لَاتُرَدُّ؟ » فَقَالَ لَهُ: ومَا ذَاكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ: « إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وتَعَالى - لَمَّا فَتَحَ عَلى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَدَكَ ومَا والَاهَا، لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولَا رِكَابٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: « وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ » فَلَمْ يَدْرِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَنْ هُمْ، فَرَاجَعَ فِي ذلِكَ جَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ورَاجَعَ جَبْرَئِيلُ رَبَّهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنِ ادْفَعْ فَدَكَ إِلى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكِ فَدَكَ، فَقَالَتْ: قَدْ قَبِلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ ومِنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ وُكَلَاؤُهَا فِيهَا حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَلَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ، أَخْرَجَ عَنْهَا وُكَلَاءَهَا..
98 ) الطبرسي، الاحتجاج ١/ ١٤١؛ وقد اخترنا نص الخطبة الذي نقله في الاحتجاج لأنه فيما نعتقد أسلم النصوص وأكثرها استقامة. وسنستفيد مما في معاني الكلمات مما كتبه في الحاشية العلامة السيد محمد باقر الخرسان.
99 ) لمة: جماعة، والحفدة: الأعوان
100 ) علق إزار أو قطعة قماش