وتوسط لها عند بني المغيرة قومها قائلا: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وابنها؟
وكان أن تركوها تخرج إليه، فرد لها بنو عبد الأسد طفلها أيضاً. وهيأ الله لها من يرافقها في سفرها إلى المدينة فوصلت وكانت فرحة أبي سلمة بها وبابنه كشوقها إليه لا توصف.
وابتدأت المعارك بين قريش وبين المسلمين فكانت بدر والنصر المؤزر فيها، وعاودت الكرة في أحد وكاد النصر يكرر غير أن معصية بعض المسلمين لرسول الله أدت إلى الهزيمة، وكان لأبي سلمة دور بارز في الموقفين، وقد أصيب في أحد بسهم في عضده، وظل يعالجه شهرا كاملا لكيلا يفوته شرف الجهاد في المعارك القادمة، وفعلا فقد برئ الجرح فما أن أرسل الرسول سرية إلى قطن حتى كان أبو سلمة في مقدمتها، وغابوا في تلك قرابة الشهر، ثم رجعوا وكان الجرح قد انتقض على أبي سلمة فما بقي منه إلا عدة أشهر حتى انتقل إلى خالقه في السنة الرابعة للهجرة. وعادت للدمعة الساخنة.. لكأنّ هذه النفس فيها بقية شوائب تحتاج إلى غسل وتصفية بماء العين، عادت من جديد تلمس وطأة الألم.. هل كثير عليك أيتها المؤمنة فرحة أعوام لم تكتمل.. في أولها غصة البعد وفي آخرها شجى الموت؟
لكن.. ألم يرد في الأحاديث: >كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران قد ذهب يقتبس ناراً فإذا به يرجع بالنبوة<؟ وأليس الله يعوض الصابر على المصيبة خيرا مما فقد؟ تُرى من يكون خيرا من أبي سلمة؟
( ( ( (
وذات يوم.. وكان سنها حينئذ في حدود الثلاثين من العمر، وقد انقضت عدتها فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولنتركها تتحدث:
لما انقضت عدتي من أبي سلمة أتاني رسول الله فكلمني بيني وبينه حجاب فخطب إلي نفسي، فقلت: أي رسول الله وما تريد إلي؟ ما أقول لك هذا إلا رغبة لك عن نفسي؛ إني امرأة قد أدبر مني سني وإني أم أيتام وأنا امرأة شديدة الغيرة، وأنت يا رسول الله تجمع النساء.
فقال رسول الله: فلا يمنعك ذلك.. أما ما ذكرت من غيرتك فيذهبها الله، وأما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك سناً، وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله ورسوله.، فأذنت له في نفسي فتزوجني.
وبدأت حياتها بالصدق مع رسول الله في مشاعرها، واستمرت على هذا الصدق إلى آخر حياتها.
ودخلت هذا البيت النبوي، وكأنه كان هناك معادلة بين شكرها لله وصدقها وبين عطاء الله لها، فإذا كانت قد أصيبت بأبي سلمة فقد
نساء حول أهل البيت — صفحة 81
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٨١