تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نساء حول أهل البيت — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ولقد كانت أم البنين رضوان الله عليها في المستوى الأعلى من ذلك، فإن التاريخ لا ينقل لنا صورة واحدة مما ينقله عن تجارب أخرى من التغاير أو التآمر، أو الإضرار، بل قد ينقل خلاف ذلك من المراعاة والملاحظة الشديدة للمشاعر، فإنه قد نقل أن فاطمة بنت حزام لما انتقلت إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام ، ورأت شدة تعلق أبناء فاطمة عليها السلام بأمهم، كانت تبدي لهم من الود ولذكراها من الاحترام، ما يطيب خواطرهم، وربما كانت تلاحظ أدق التفاصيل في مشاعرهم، فقد نقل أنها طلبت من أمير المؤمنين عليه السلام أن يغير اسمها وأن لا يخاطبها أمامهم باسم (فاطمة) لكيلا يذكرهم باستمرار بفقد الأم العزيزة، أو بأن أخرى قد حلت مكانها، ونعم ما فعلت. ولذا اشتهرت بكنيتها (أم البنين). كما أن رعايتها وعنايتها لأبناء فاطمة عليها السلام، كانت تفوق رعايتها لأبنائها هي، ولعل هذا ما كانت تراه أيضا في تعامل أمير المؤمنين مع أولاده، والذي عبر عنه محمد بن الحنفية عندما أراد أحد أن يستثير فيه الحسد بأن قال له ما بال أبيك يبعثك للقتال ويترك حسنا وحسينا عنده، فقال: أنا يمين والدي، وهما عيناه والمرء يذب بيده عن عينيه وذلك لما سبق أن قال أمير المؤمنين له في مناسبة أخرى: إنك ابن علي وهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله ! فقد نقل المؤرخون أنها لما أدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد كان الحسنان مريضين، وربما كان عمرهما في تلك الفترة في حوالي السادسة عشر، فبدأت تلاطفهما وتخفف بحسن كلامها عنهما ما يجدان من المرض والألم وكان هذا العنوان، هو الذي طبع حياتها معهما ومع بقية أبناء وبنات أمير المؤمنين. وسيأتي فيما بعد ذكر أنها سألت بشر بن حذلم عن حال الحسين عليه السلام قبل سؤالها عن أبنائها. أم البنين الأربعة: كانت نتيجة الفترة التي قضتها أم البنين مع أمير المؤمنين عليه السلام (أربعة مثل نسور الربى)، وكان ما أراده أمير المؤمنين من هذا الزواج قد بدأ بالتحقق عندما أطل قمر العشيرة واستهل في الرابع من شهر شعبان من سنة ست وعشرين للهجرة. واستبشر علي عليه السلام ، فهذا هو الفارس الموعود الذي سيسجل التاريخ وقفته مع أخيه الحسين في كربلاء في موقف (عق فيه الوالدَ الولدُ). بينما كان الجميع في حالة فرح واستبشار، لا سيما أمه، كان علي عليه السلام يحمل هذا الوليد المبارك، يقبله ويكشف عن ساعديه فيقلبهما ويقبلهما ويبكي، فيدهش أمَه حالُ أبيه، وتسأله عن سبب بكائه، وما الذي يدعوه لذلك في ساعة فرح كهذه؟ ويطلعها أمير المؤمنين عيه السلام على غامض القضاء، ونبأ المستقبل وما سيجري عليه في نهضة كربلاء، وكيف ستشهد قطع هذين الكفين بعد ملحمة وجِلاد