بطولي رائع، فبكت هي بدورها وأعولت ومن حضر في الدار حينئذ، لكن سلاها وعزاها أن الشهادة لأهل البيت عادة متكررة، وأنها من بيت وفي بيت ما ماتوا إلا قصعاً بالسيوف، وأن ابنها سيكون على نفس الطريق في الغاية، متلبسا بنصرة الحق، متدرعاً بطاعة الإمام([102]).
وأنجبت أم البنين بعد العباس عبد الله، وبعده عثمان، وأخيرا جعفر، وكان بين العباس وعبد الله قرابة تسع سنوات وبين عبد الله وأخيه عثمان سنة واحدة، وبين عثمان وجعفر خمس سنوات، فعن أعلام الورى للطبرسي أن العباس قد استشهد بالطف وله 34 سنة، وأن عبدالله كان له 25 سنة، وأن جعفر قتل وله 19 سنة([103]) كما ذكر المقرم أن عثمان بن علي كان له يوم الطف أربعة وعشرون عاما.
ويفترض أن أم البنين قد قدمت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة بعد انتقاله إليها كعاصمة للحكم بعد المدينة المنورة، وبقيت معه إلى شهادته، مثلما انتقل معه سائر ولده وأهله. وإن كنا لا نرى في رواية مقتل أمير المؤمنين عليه السلام ذكرا لها ولا لسائر زوجاته الأخريات، وهذا غريب إذ ليس معقولا أن يكن جميعهن غائبات عن حضور هذا الحدث العظيم. إلا أن تكون الروايات التي تتحدث عن مقتله عليه السلام ، والتي تشير إلى أنه قد حمل من المسجد إلى بيته من غير تعيين، تقصد بيت أم البنين مثلا، أو أن يكون بيت واحد وفيه غرف أو دور متعددة، ولكل زوجة من زوجاته دار كما ليس ببعيد، بل هو السائد في السابق. وأن يكون الحديث عن حضور نسائه عنده للاطمئنان على حاله شاملا للحديث عن أم البنين، وإلا فليس معقولاً أن يكن غائبات في مثل ذلك.
إلى المدينة:
اغتيل أمير المؤمنين عليه السلام في محرابه، ولم يكن ليختم حياته إلا ببيت الله الذي بدأ حياته فيه، وعاش عمره له، وكان فخره به أنه {يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ} وجرت الأمور على غير ما يهوى الهدى ويريد، واضطر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام على اثر خذلان أنصاره، وطغيان أعدائه، ورعاية لمصلحة الدين الذي كان يتربص به المتربصون أن يهادن معاوية الذي لم يقاتل ليصلي الناس ولا ليصوموا أو ليحجوا.
الكوفة التي جاء إليها أمير المؤمنين بأهله، وولده وبأصحابه، ها هي تودع ركب أهل البيت عليهم السلام، والحسن خارج منها، والحسين وأبناء أمير المؤمنين وأهل البيت عائدين إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان في الركب أم البنين رضوان الله عليها، كرت عائدة بعد أن فقدت الوصي الكرار، وآلت على نفسها أن لا تتخذ زوجا بعد الوصي علي عليه السلام ، وفاءا والتزاما. وإن كانت قد
هامش
102 ) المقرم، عبد الرزاق، العباس عليه السلام، ص138.
103 ) لا يمكن أن يكون عمره كذلك، فإن شهادة أمير المؤمنين كانت سنة 40هـ، وبناء على ذلك لابد أن يكون عمر جعفر حين استشهد 20 سنة فصاعداً.