قليل الكلام في الدرس، ما هو عليه من الفضل، وكان خفيض الصوت، فإذا استشكل أو اعترض الشيخ الأنصاري بدليل، انحنى الشيخ الانصاري إليه، مشيرا إلى باقي الطلبة: إن جناب الميرزا يتكلم! ثم يشرع في تقرير إشكاله أو دليله ويجيب عليه!.
وظل هكذا يصعد في سماء العلم، حتى إذا توفي الشيخ الأنصاري سنة 1281هـ، اجتمع أركان درسه وثقاته ليقرروا أن المتعين للتدريس والمرجعية بعد الأستاذ هو الميرزا محمد حسن الشيرازي! والذي ردهم بأنه لم يتهيأ لهذا الموقع حتى أنه لم يكتب تعليقة أو حاشية على رسالة عملية!
وقد أصر عليه هؤلاء بأن المرجعية لا تحتاج إلى مجرد حاشية على رسالة عملية، وإنما هي قبل كل ذلك قيادة للأمة وإدارة للطائفة تحتاج إلى حكمة، وعلم وهما متوفران بأحسن الدرجات في الميرزا.
الهجرة إلى سامراء:
بعد عشر سنوات من تسنمه سدة المرجعية العامة، وكرسي التدريس الأول في النجف الأشرف، قرر الميرزا الشيرازي أن يهاجر إلى سامراء وأن يستقر فيها لبرهة من الزمن، وقد أخفى قراره هذا الذي كان خارج دائرة التوقعات، فإن من كان خارج النجف الأشرف في سائر مناطق الحوزات العلمية يبذل الغالي والنفيس للوصول إلى النجف والاستقرار فيها لما لها من الصيت والسمعة في جوها العلمي والأدبي.فكيف يغادر رأس الحوزة النجف؟ ولا ريب أن قرارا من هذا القبيل سوف يثير الكثير من التساؤلات بعده بل المعارضة قبل حدوثه فعلا، لذلك بقي طي الكتمان إلى أن سافر الميرزا بالفعل إلى كربلاء لزيارة النصف من شعبان سنة 1291هـ، ثم عطف على سامراء لزيارة الإمامين العسكريين ظاهرا، وللبقاء فيها واقعا، وهناك أخبر المقربين من تلامذته عن عزمه وقراره!!
وقد ذكر مترجم[298] الميرزا في مقدمة التقريرات، ضمن ترجمته القيمة لشخصية الشيرازي عدة احتمالات، ونحن ننقلها من تلك الصفحات:
يرى البعض أن السبب رغبته في الاعراض عن الرئاسة، وتخلصا من قيودها، وطلبا للانزواء والعزلة عن الخلق.
وقيل أن سبب ذلك أنه لما صار الغلاء في النجف سنة 1288 ه - وصار يدر العطاء على أهلها، ثم جاء الرخاء عن قريب جعل الناس يكثرون الطلب عليه، وجعل بعض أعيان النجف يفتل في الذروة والغارب لينفر الناس منه، فتضايق من ذلك، وخرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291 ه، ثم توجه إلى الكاظمية فسامراء، ودخلها في شعبان من تلك السنة، وأقام فيها أياما، ثم عزم على الإقامة فيها، وأرسل على كتبه، وأثاثه، وتبعه أصحابه.
وقيل أنه تضايق من وجود بعض الفرق الجاهلة فيها. ولعله يقصد بعض العشائر النجفية، التي كانت
هامش
298 بحر العلوم؛ السيد محمد علي، مقدمة تقريرات آية الله المجدد الشيرازي: للمولى علي الروزدري 1. 29.