المضايقات التي يلقونها فيها)[300].
ويشهد لبعد هذا الاحتمال أننا نجد أن الميرزا الشيرازي لم يقم بحركة دعوية تبشيرية في سامراء بمقدار ما قام بإعمار البلد، فقد نصب جسرا من القوارب على دجلة بلغت تكاليفة ألف ليرة عثمانية، وبنى حماما للرجال وآخر للنساء وسوقا كبيرة ودورا كثيرة[301]. ولأجل طلبة العلم الذين التحقوا به من النجف بنى مدرسة دينية، ولإقامة الزوار الشيعة مراسمهم بنى حسينية. ومن يريد تحويل بلدة إلى مذهب آخر لا ريب أنه سيبدأ حركة دعوية وتبشيرية بمذهبه، وهذا ما لم ينقل عن الميرزا، بالرغم من بقائه فيها إلى آخر أيام حياته.
إننا نعتقد أن الظروف التي كانت قائمة في تلك الفترة لم تكن في اتجاه التبشير المذهبي بمقدار ما كانت تخدم التقارب والتآلف بين المسلمين، خصوصا وأن السلطان العثماني عبد الحميد كان يبشر بفكرة وحدة المسلمين ولذلك لم يحب أن تتطور قضية سامراء ولذا فقد أرسل إلى والي بغداد يأمره بمعالجة القضية بهدوء، فإذا كان الشيرازي قد فتح مدرسة شيعية فليفتح الوالي إزاءها مدرسة سنية ولا يزيد على ذلك شيئا[302]!.
نعم استفاد البعض ولا سيما الشيخ محمد سعيد النقشبندي من هذا الأمر بعنوان التهويل والتهويش فزار والي بغداد مناديا بالويل والثبور على سامراء التي ستذهب إلى الرافضة، وأن عليهم أن يتحركوا لحفظ أهل السنة من أهل البدع!!(تماما كما نجد في هذه الأيام من المستفيدين والمتاجرين) وكان نتيجة ذلك أن زود النقشبندي بالأموال لفتح مدرسة في سامراء!! وميزانية لانفاقها! وغالبا ما يكون هذا هو الغرض والهدف.
بل إن هذا الخط المتشنج لم يكتف بهذا المقدار، وإنما حاول اصطناع فتنة طائفية عندما دفع بعض الجهلة إلى الاعتداء على ابن الميرزا الشيرازي الأكبر، السيد محمد فضربه على رأسه الأمر الذي جر إلى وفاته، وقيل إن الاعتداء كان على الميرزا نفسه بأن قذف بالحجارة!.طمعا من أولئك بأن يكون هناك رد من أتباع الميرزا وتحدث الفتنة الطائفية!
إلا أن الميرزا الشيرازي لم يحرك ساكنا، ومنع من أي انتقام أو رد فعل! فأخمد الفتنة بعدما أطلعت قرنها.
بل إن البريطانيين حاولوا الاستفادة من هذا الحادث، وتصوير أنهم حماة للشيعة إذا كان الأتراك حماة السنة، فجاء السفير البريطاني إلى سامراء وعرض على الميرزا حمايته، محتجين على التصرف السيء لمقام مرجعيته، فردهم الميرزا بقوة قائلا: أرجو أن تفهموا جيدا أنه لا دخل لكم ببلادنا مطلقا وما هذه القضية إلا حادث بسيط بين أخوين! ولما وصل خبر المقابلة إلى الباب العالي في اسطنبول، أكبر هذا الموقف وسر به، وأمر والي بغداد أن يذهب إلى سامراء ليقدم للسيد الشيرازي الشكر، ويعتذر له عن الحادث [303].
هامش
300 الوردي؛ د عبد العزيز: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 3/100.
301 المصدر السابق.
302 المصدر السابق. 102.
303 المصدر ص 110، ناقلا عن عبد الرحيم محمد علي في كتابه (آقا بزرك الطهراني).