المعارك بينها مستمرة، ونتيجة لذلك يتعرض الكثير من المقيمين، وخاصة أهل العلم الأجانب - لأنهم ضعفاء أمام أهل البلد - إلى الإيذاء والسلب.
وقيل تعود الناس على طلب المال منه، وصاروا يتوقعون منه كل شيء حتى فكاك أولادهم من العسكرية ببذل البدل النقدي عنه، وكان بدل الواحد يومئذ مائة ليرة فضاق به الأمر، وعرف أن لهذه التوقعات محركا من بعض أعيان النجف، وهذا لا علاج له إلا بالفرار.
ويقول البعض: (والذي يغلب على الظن أن السبب الوحيد الباعث له على الهجرة أمر وراء ذلك، هو أدق وأسمى وأبعد غورا مما يظن. وهو إرادة الانفراد، لانحياز سامراء وبعدها عن مجتمع العلماء، ومن يدعي العلم، فيتم له فيها ما لا يتم له في غيرها. والقرب من الخاصة فيه العناء والتعب، وفي البعد عنهم الراحة، واجتماع الأمر، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في عهده للأشتر: إنه ليس أشد مئونة على الوالي من الخاص».
وبعد أن رفض السيد بحر العلوم تلك الأسباب، استنتج أن «مقصده من هجرته وحدة المسلمين، وبث روح التآلف بين السنة والشيعة، وإماتة العصبيات والنعرات الطائفية والتي كانت مشتعلة - حينها - في العراق بسبب الحكم العثماني والذي كان يترنح هنا وهناك بسبب غزو الإنكليز على المنطقة، ومحاولة إخراج النفوذ العثماني المنهار منها. وحيث أن غالبية سكان مدينة سامراء من عشائر السنة، فكانت الأقلية الشيعية فيها تعاني من البعض التعدي والإيذاء وخاصة من جهلة الناس، وأوباش المواطنين، وكذلك الزوار الشيعة الذين كانوا يقصدون سامراء لزيارة مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام فكانوا يقابلون من بعض الأفراد بما لا يليق بروح الأخوة الإسلامية، والتعاطف الوطني، مما سبب انكفاء من الزوار لحرم الإمامين، حفاظا على أرواحهم وأعراضهم. وكان تخطيط مركز من السيد الشيرازي حين شد الرجال، وحط موكبه في سامراء، والتف الشيعة من حوله، وكثر التردد من المسافرين عليها من شتى الأقطار الإسلامية، وخفت تلك الوحشة التي كانت تلف المدينة من قبل»[299].
والذي اختاره السيد بحر العلوم هو الذي يتناسب مع علو همة الميرزا وطبيعة شخصيته ودوره الذي قام به فيما بعد، وأما سائر الاحتمالات فإنها بعيدة عن شخصيته القوية وطبيعة إدارته للمرجعية، وتليق بشخص مغلوب على أمره لا يملك في حل مشاكله سوى الهروب منها زمانا أو مكانا وهذا لا يتوافق بأي نحو مع شخصية الميرزا الشيرازي، الذي سيأتي أنه تصدى للبريطانيين في إيران، وقاوم نفوذهم في العراق، وكانت شخصيته من القوة بحيث يتسابق السفير البريطاني والروسي لخطب وده مستغلين سوء التصرف الذي قام به بعض أتباع الادارة العثمانية في سامراء.
وهكذا يبعد من الاحتمالات ما ذكره الدكتور الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من أن (من الأسباب التي دفعت الشيرازي إلى الهجرة إلى سامراء هو أنه كان يريد تحويلها إلى بلدة شيعية لكي ينقذ الزوار من
هامش
299 المصدر ص 31.