أسفار من أجل التقارب المذهبي:
بالاضافة إلى ما ذكرناه من تفاعل الشهيد الثاني علميا مع علماء سائر المذاهب الإسلامية ودراسته على يدهم، ومباحثاته معهم في دمشق ومصر. رأى بثاقب نظره أن يتوجه إلى مركز الخلافة العثمانية التي تسيطر على لبنان وسائر البلاد العربية، ويُنظر إليها على أنها التي تمثل المسلمين. بل منها يُعين أهل الإفتاء والتدريس وتعطى ولايات المدارس الدينية وإمامة المساجد المهمة. وهكذا، فلو أمكن التأثير فيها بنحوٍ يكون توجه الاعتدال والإنصاف حاكما لتغير وضع المسلمين.
وعلى أثر ذلك توجه إلى الآستانة، والتقى بقاضي القضاة قاضي زاده الرومي هناك ونزل ضيفا عليه، وأعجب القاضي (الرومي)[160] به إعجابا عظيما لما وجد عنده من الاحاطة العلمية والقدرة الفريدة، ويقال أن الشهيد كتب له خلال الفترة التي كان فيها ضيفا عنده رسالة فيها عشرة علوم، وفي كل علم عشر مسائل مهمة، في الفقه، والأصول، والفلسفة، والمنطق والتفسير، وقدمها إليه.
ويقال هنا أن قاضي القضاة عرض عليه أن يكون مدرسا في أي مدرسة من المدارس الدينية التابعة للخليفة العثماني، في لبنان ورد الشهيد بأنه لم يأت طالبا للوظيفة وإنما ليتباحث مع العلماء ويسمع منهم. فألزمه القاضي بذلك واختار المدرسة النورية الكبرى في بعلبك بشمال لبنان [161].
وعند عودته من تركيا مر على بعلبك وبدأ يدرس في مدرستها تلك الفقه عارضا آراء المذاهب الخمسة، فعلت في نفوس الطلاب مكانته وعرفوا منزلته وقدره، وساعده بالإضافة إلى سعة علمه سعة أفقه وشرح صدره حيث لم يكن متعصبا ضد أحد، وانتشر الطلاب يحدثون بفضله[162]. وكان على قدرِ من الإنصاف
هامش
160 أحمد بن محمود الأدرنوي، شمس الدين، قاضي زاده ت 988هـ: فقيه حنفي، من الروم. كان أبوه قاضيا بأدرنة وتولى هو قضاء حلب بضع سنوات ثم قضاء القسطنطينية، فقضاء عسكر الروم ايلي، وأبعد في أواخر أيام السلطان سليم، وأعيد في أيام مراد خان. ثم قلد الفتوى بدار السلطنة إلى أن توفي. له كتب، منها (نتائج الأفكار - ط في تكملة فتح القدير لابن الهمام، في فروع الحنفية، و حاشية على شرح المفتاح لم يتمها، و حاشية على شرح الوقاية لصدر الشريعة - خ في الأزهرية. خير الدين الزركلي في الأعلام 1. 255.
161 كما أعطي والد الشيخ البهائي الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الذي كان مصاحبا للشهيد وصديقا له منصب التدريس في مدرسة في بغداد.
162 تحدث الشهيد وتلميذه بن العودي عن تلك الفترة واصفين لها بأفضل الأوصاف، فقال كما نقل عنه صاحب أعيان الشيعة ج 7 ص 153: أقمنا ببعلبك ودرسنا فيها مدة في المذاهب الخمسة وكثير من الفنون وصاحبنا أهلها على اختلاف آرائهم أحسن صحبة وعاشرناهم أحسن عشرة وكانت أياما ميمونة وأوقاتا بهجة ما رأى أصحابنا في الاعصار مثلها. قال ابن العودي كنت في خدمته تلك الأيام ولا أنسى وهو في أعلى مقام ومرجع الأنام وملاذ الخاص والعام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها ويدرس في المذاهب كتبها وكان له في المسجد الأعظم بها درس مضافا إلى ما ذكر وصار أهل البلد كلهم في انقياده ومن وراء مراده بقلوب مخلصة في الوداد وحسن الإقبال والاعتقاد وقام سوق العلم بها على طبق المراد ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد.