وأمّا عند المقايسة بين دليلي الحاكم والوارد نفسهما فلو كان أحدهما حاكماً أو وارداً على الآخر لا إشكال في تقدّمه عليه .
مثال ذلك : ما إذا شُك في طهارة أو حلية اللحم المشترى في سوق المسلمين لأجل الشك في التذكية . فحينئذٍ تجري أربعة قواعد .
اثنتان منها : قاعدتا الطهارة والحلية . فإنّهما تجريان عند الشك في طهارة وحلية أيّ شيءٍ ، فتشملان بعمومهما مفروض الكلام . ومقتضاهما طهارة وحليّة اللحم المشكوك طهارته وحليّته .
ثالثتها : أصالة عدم التذكية فإنّها واردة على أصالة الطهارة والحلية ؛ لأنّها الأصل السببي ، وأصالة الطهارة والحلية الأصل المسبّبي . والأصل السببي وارد على الأصل المسببي . وذلك لارتفاع موضوع أصالة الطهارة والحلية - وهو شك استصحابها - وإن كان ارتفاع الشك في التذكية بجريانها تعبّدياً .
ولكن بعد إحراز التذكية تعبّداً يرتفع الشك في الحلية والطهارة وجداناً .
رابعتها : قاعدة سوق المسلمين فإنّ هذه القاعدة أمارة ، بناءً على ما حقّقناه فيكتابنا « مبانيالفقه الفعال » وذلك لاستقرار سيرة المسلمين على معاملة المذكّى مع اللحوم المشتراة في أسواقهم وإنّهم كما يرون أيدي المسلمين كاشفة عن التذكية ، كذلك يرون أسواقهم كاشفة عن تذكيتها . ويشهد لذلك إناطة جواز الشراء في مفروض الكلام بكونه في أرض الإسلام وغلبة المسلمين ، كما في قوله عليه السلام : « إذا كان الغالب عليه المسلمين ، فلا بأس » فيموثقة إسحاق بنعمّار « 1 » .
فإنّه ظاهرٌ في أنّ ملاك جواز الشراء كشف سوق المسلمين وغلبتهم عن تحقّق التذكية واقعاً . وقد حكم الشارع بتتميم هذا الكشف باعتباره حجّةً .
هامش
( 1 ) الوسائل : ج 2 ص 1072 ب 50 ، من النجاسات ح 5