المتأخرة المقتضية لمصالح أخرى ، فيرتفع أمد ذلك الحكم الأوّل ، ويُجعل لمن بعدهم حكمٌ آخر حسب ما تقتضيه مصالحهم . وكل ذلك معلوم لذات الباري قبل تشريع الحكم الناسخ والمنسوخ كليهما .
ومن هنا ترتفع شبهة البداءِ المستحيل التي استشكل بها اليهود والنصارى ؛ بدعوى استلزام النسخ تطرّق الجهل إلى ذات الباري تعالى . وجه الارتفاع إنّه ثبت بهذا البيان أنّ النسخ في الحقيقة مقتضى حكمته تعالى ، لا لجهله تعالى بأمد الحكم ودوام مصلحة تشريعه حتى يستحيل ، فلا ريب في إمكان النسخ . ولا يلزم منه البداءُ المستحيل ؛ حيث إنّ معناه - كما أشرنا إليه آنفاً : أن يظهر للَّهتعالى ما لم يكن يعلمه ويحتسبه ، من انتهاء أمد الحكم المجعول وانتفاء مصلحة تشريعه ، وتبديله إلى حكم آخر . ولا ريب في استحالة ذلك في حقه تعالى ؛ لاستلزامه تطرّق الجهل إلى ذاته المقدّسة .
قال أبو هلال : « والبداء أصله الظهور . تقول بدا لي الشيءُ إذا ظهر وتقول : بدا لي في الشيء إذا ظهر لك فيه رأي لم يكن ظاهراً لك ، فتركته لأجل ذلك . ولا يجوز على اللَّه البداءُ ؛ لكونه عالماً لنفسه . وما ينسخه من الأحكام ويثبته ، إنّما هو على قدر المصالح ، لا أنّه يبدو له من الأحوال مالم يكن بادياً . والبداءُ هو أن تأمر المكلف الواحد بنفس ماتنهاه عنه على الوجه الذي تنهاه عنه والوقت الذي تنهاه فيه عنه . وهذا لا يجوز على اللَّه ؛ لأنّه يدل على التردد في الرأي » « 1 » .
وقال ابن فارس : « الباء والدال والواو أصلٌ واحد ، وهو ظهور الشيء . . .
وتقول : بدا لي في هذا الأمر بَداءٌ ؛ أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه » « 2 » .
هامش
( 1 ) معجم الفروق اللغوية : ص 538 ، الرقم 2165
( 2 ) مقاييس اللغة : ج 1 ، ص 212 ، في مادّة « بدوٌ »