وأما وجه افتراقه عنها ، فعمدة الفرق أنّه إبطال الحكم رأساً إلى يوم القيامة .
وهذا بخلاف غيره ، فإنّ مفاد التخصيص والتقييد والحكومة إبطال بعض الحكم المستفاد من العامّ والمطلق والمحكوم . والوارد إنّما يفيد إبطال حكم المورود بنفي موضوعه - وهو الشك - ، من دون أن يُبطل حكمه ، من دون رفع موضوعه ، بل مع فرض بقاء موضوعه ، كما في النسخ .
النسخ في اللغة والاصطلاح
النسخ في اللغة بمعنيين : أحدهما : الإزالة ، وثانيهما :
التغيير ، وهو إزالة شيءٍ ، ثم إقامة شيءٍ آخر مقامه ، ومنه الاستنساخ . وكان في الأصل بمعنى الإزالة ، كما قال أبو هلال .
قال أبو الحسين أحمد بن فارس ( وهو من أقدم اللغويين وأعلامهم في القرن الرابع المتوفى بسنة 395 ) نسخ : النون والسين والخاءُ ، أصل واحد ، إلّا أنّه مختلف في قياسه . قال قوم : قياسه رفع شيءٍ وإثبات غيره مكانه .
وقال آخرون : قياسه تحويل شيءٍ إلى شيءٍ . قالوا : النسخ ، نسخ الكتاب .
والنسخ : أمرٌ كان يُعْمَل به من قبلُ ، ثم يُنسخ بحادثٍ غيره ، كالآية ينزل فيها أمرٌ ، ثمّ تُنسخ بآية أخرى . وكلُّ شيءٍ خلف شيئاً فقد انتسخه . وانتسخت الشمس الظلَّ والشيب الشباب » « 1 » .
وقال أبو هلال العسكري ( وهو أبو هلال الحسن بن عبداللَّه العسكري من أقدم اللغويين وأعلامهم في القرن الرابع الهجري ) : « إنّ النسخ رفع حكم تقدم بحكم ثان أوجبه كتاب أو سنة ، ولهذا يقال : إنّ تحريم الخمر وغيرها - ممّا كان مطلقاً في العقل - نَسخٌ لإباحة ذلك ؛ لأنّ إباحته عقليّة . ولا يستعمل النسخ في العقليات . . . والنسخ في الشريعة لفظة منقولة عما وضعت له في أصل اللغة
هامش
( 1 ) مقاييس اللغة : ج 5 ، ص 424