بين تحريم فعل العبادة وبين صحتها ؛ حيث يشترط في صحتها قصد الامتثال والتقرّب . ولا يصلح الحرام المبغوض عند المولى للتقرّب به إلى ساحة المولى .
وهذا بخلاف المعاملات ، فإنّ ملاك دلالة النهي فيها على الفساد إنّما هو المتفاهم العرفي ، من تعلّق النهي بعنوانها بالتقريب الذي بينّاه ، كما أنّ تحليل المعاملة وتجويزها ظاهرٌ في الإرشاد إلى صحتها بحسب المتفاهم العرفي بنفس هذا التقريب ، فكما أنّ المتفاهم العرفي من تحليلها وتجويزها جواز ترتيب آثارها المتوقعة منها وليس لذلك معنى ، إلّاصحتها . فكذلك المتفاهم العرفي من النهي عنها وتحريمها عدم جواز ترتيب آثارها ، وليس لذلك معنى ، إلّافسادها .
فالتحقيق في المقام أنّ النهي التحريمي المتعلق بعناوين المعاملات يقتضي فسادها بمقتضى القاعدة ، إلّاأن يكون هناك قرينة على كون النهي تنزيهياً أو كونه متعلقاً بنفس فعل إنشاء المعاملة ، من دون نظر إلى ترتيب آثارها ، كالنهي عن البيع وقت النداء ، أو النهي عن معاملة لكون إنشائها مستلزماً للتصرّف في مال الغير كإنشاء العقد ومبادلة المالين في الأرض المغصوبة أو بآلة مغصوبة .
والسر في ذلك ضرورة مخاطبة الشارع في تشريع الأحكام على منوال محاورة أهلالعرف وحسب متفاهمهم لئلّا يلزم إغراؤهم بالجهل . وأنّ المتفاهم عندهم من النهي عن المعاملات المنع عن ترتيب آثارها المتوقعة منها . وأنّهم وإن يرون للشارع حق التحريم التكليفي المولوي ويرون ذلك مقتضى شأنه الربوبية والمولوية . إلّاأنّهم يرون إرادته ذلك من النهي في المعاملات بحاجة إلى الإثبات بقرينة خاصّة بعد قيام القرينة العامة على إرادة المنع عن ترتيب آثارها ؛ نظراً إلى مساعدة غلبة استعمالهم النهي عن المعاملات في هذا المعنى
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 158
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص١٥٨