وأما جعل محل النزاع في تعلق الأمر بالكلّي الطبيعي فغير وجيه ؛ لأنّ الماهيات المركبة المخترعة من جانب الشارع لا تدخل تحت مقولة واحدة فلا تكون من قبيل الكلي المصطلح في باب الايساغوجي من المنطق ، بل المقصود من الطبيعي هو العنوان الكلي الاعتباري الشامل للطبايع غير الأصيلة ، حيث إنّ الطبايع المتعلقة للتكاليف الشرعية ماهيات اعتبارية - مخترعة شرعية أو عرفية محضة أو غير محضة - وليست بأصيلة .
والذي ينبغي أن يقال في تحرير محل النزاع بعد التأمّل في كلمات القوم : أنّ مرجع النزاع والبحث في المقام إلى جهتين :
إحداهما : أنّ الكلي الطبيعي هل يكون له بنفسه وجود في الخارج أم لا ؟
بمعنى أنّ وجود الفرد هل هو عين وجود الطبيعي حقيقةً بأن يكون لوجود واحد خارجي إضافتان إضافةٌ إلى الطبيعي وإضافة إلى حصته فبالإضافة الأولى يكون وجوداً للطبيعي وبالثانية يكون وجوداً للفرد ؟ أوليس وجود الفرد وجوداً للطبيعي حقيقة ، بل إنما يسند إليه بالعرض والمجاز .
فالقائل بأنّ وجود الفرد عين وجود الطبيعي يدّعي الأوّل ، ويقول : إنّ وجود زيد في الخارج كما أنّه وجود له حقيقةً ، كذلك وجودٌ لطبيعي الإنسان ، غاية الأمر أنّ هذا الوجود الواحد بلحاظ إضافته إلىالفرد متشخص وممتاز عنغيره في الخارج ، ولكن باعتبار إضافته إلى الطبيعي لا تشخص له بالنسبة إلى غيره .
والقائل بعدم وجوده يدّعي الثاني ويقول : إنّ وجود زيد ليس وجوداً لطبيعي الإنسان حقيقة ، بل إنما ينسب إليه بالعرض .
وأما ابتناءُ هذه المسألة على ذلك فبلحاظ أنّه على القول بوجود الطبيعي في الخارج حقيقة لا بد من القول بتعلّق الأوامر بالطبايع ؛ بخلاف ما لو قيل بعدم وجوده في الخارج ، ويتفرّع عليه القول بتعلّقها بالأفراد ، دون الطبايع .
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 51
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص٥١