أصل البعث منها لو خلّيت وطبعها مع عدم القرينة وكونها حقيقةً في البعث والإغراء كما سبق آنفاً ، إلّاأنّها لو صدرت من مصدر الطاعة - بأن صدرت ممّن وجب طاعته إمّا عقلًا ، كما في ذات الباري ( جلّ وعلا ) ، أو شرعاً كالنبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام والحاكم الشرعي ، أو عرفاً وعقلائياً كالموالى العرفية ورؤساءِ القوم وسلاطينهم ، ممن اعتبره العقلاءُ مولى ورئيساً على القوم - تكون عند عرف العقلاءِ ظاهرةً في الوجوب .
ومن هنا جرت سيرة العقلاءِ على لزوم امتثال الأمر بمجرّد صدوره من مواليهم ورؤسائهم وذمِّ العبيد والمرئوسين على مخالفتهم وتقبيحهم على عصيانهم ما لم يحرزوا الترخيص ، وقد جرت سيرتهم على عدم قبول اعتذارهم عن المخالفة باحتمال كون الأمر لمصلحة غير إلزامية وعن إرادة غير حتمية ، بل يذمّهم العقلاءُ ويعدّونهم عاصياً ، كما أشار إلى ذلك في المعالم . « 1 »
ومنشأ تكوّن هذا البناءِ منهم هو ارتكاز البعث اللزومي في أذهانهم وانسباق الوجوب إلى أفهامهم من صيغة الأمر إذا صدرت عن مصدر الطاعة .
وهذا غير تبادر الوجوب من صيغة الأمر من دون قرينة ووضعها له . فلا منافاة بين هذا الوجه وبين ما سبق آنفاً ، من كون صيغة الأمر حقيقةً في أصل البعث وعدم وضعها للوجوب .
وأيضاً لا ينافي الوجه المزبور حكم العقل بعدم استحقاق غير الباري تعالى ، - الذي هو المنعم الحقيقي بأصول النعم - للولاية والطاعة .
وذلك لأنّ الكلام ههنا في الارتكاز العقلائي وما جرت سيرتهم عليه بمقتضى ما اعتبروه وقرَّروه بين أنفسهم من الرئاسة والسلطنة للرئيس والسلطان .
هامش
( 1 ) معالم الدين : ص 40