الجدّ ؛ لأنّ التقييد بداعي الجدّ وإن كان كساير الدواعي من قبيل تقييد المهمل بالدقة العقلية ، إلّاأنّه ليس من سنخ سائر الدواعي عرفاً ، بل هو دخيل في أصل البعث والإنشاء . والتقييد بغيره يحتاج إلى قرينة ، دونه . « 1 »
وفيه : أنّ دخل داعي الجدّ في أصل البعث مما لا كلام فيه ؛ لوضوح أنّه ما لم تتعلّق إرادته الجديّة بالطلب لا يصدر منه بعثٌ . وعليه فكون الإرادة الجدّية منشأً لأصل البعث لا يمكن إنكاره . ولكن بعد إثبات دلالة الصيغة وضعاً على البعث الإنشائي بالتبادر ، لا حاجة إلى مقدمات الحكمة . وإن كان وجهاً وجيهاً مع قطع النظر عن التبادر .
وثالثةً : بالأصل العقلائي الكاشف عن صدور الأمر بداعي الجدّ كشفاً عقلائياً عند عدم القرينة على ساير الدواعي . فكما أنّ طريقتهم استقرّت على مطابقة المستعمل فيه للموضوع له ، كذلك جرت سيرتهم على مطابقة الإرادة الاستعمالية للإرادة الجدية .
وقد استنتج هذا العَلَم من الوجوه الثلاثة المزبورة ظهور صيغة الأمر في البعث بأصالة الجدّ بقوله : « وبالجملة الأصل في الأفعال حملها على الجدّ حتى يظهر خلافه ، وكثرة الصدور عن غير الجدّ لا يوجب سدّ باب الأصل المزبور » . « 2 » ولا يخفى أن مقصوده من الأصل العقلائي هو سيرة العقلاء وبناؤهم في المحاورات والمخاطبات والمكالمات .
ويرد عليه : أنّ غاية ما يثبت بأصالة الجدّ عدم الهزل في الكلام . وهذا يلائم مع ساير الدواعي أيضاً . فإنّ الآمر بداعي الاستهزاء أو التهديد أو التعجيز والتحدي ليس هازلًا في أمره ، بل إنما تعلقت إرادته الجدّية بذلك .
هامش
( 1 ) نهاية الدراية : ج 1 ، ص 308
( 2 ) المصدر : ص 309