تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
تعيين مراد الشارع من الموضوعات العرفية المحضة المأخوذة في خطاباته . وذلك لأنّ العسر والحرج المنفيين في نصوص الكتاب والسنة من الموضوعات العرفية المحضة التي لم يعتبر فيها الشارع قيداً . ولا ريب أنّ مراد الشارع من مثل هذه الموضوعات هو المتفاهم العرفي منها . وإن‌ّالمتفاهم العرفي من‌عنوان العسر والحرج هو الحدّ الصادق منهما في أفعال غالب الناس ؛ بحيث يصدق عليه عنوانهما عندهم ؛ لأنّهم يعدّون الفعل البالغ إلى ذلك الحد من المشقة فعلًا حرجياً ، ولا يعدّونه حرجياً إذا كان دون ذلك الحد . وإن شئت فقل : ما كان من الأفعال حرجياً عند متعارف الناس ، موضوع التكليف المنفي في الخطابات الشرعية . وهذا مراد الفقهاء من تفسير العسر والحرج الرافعين للتكليف بالمشقة التي لا تُتحمّل عادةً . فالحرج لا يصدق عرفاً ، إلّا على الحدّ الذي رسموه . وثانياً : أنه خلاف ما استقرّ عليه بناءُ الأصحاب وتعلّقت به فتاواهم في مختلف أبواب الفقه . اللهم إلّا أن يؤوّل كلام المحقق المزبور ومن تبعه بما بيّناه ؛ من إرادة المشقّة التي لا يتحمّلها نُظراءُ الفاعل وأمثاله بما له من الخصوصيات الشخصية من قدر الطاقة والبنية والقوة الجسمانية . ولكنه لا ينبغي أن يُسمّى بالحرج الشخصي ؛ لأنّ في تعيين حد الحرج المنفي بهذا المعنى لابد من الرجوع إلى نُظراءِ الفاعل وأمثاله فما يتحمله من الحرج أمثاله في الطاقة ليس بمنفي ، وإنّما الحرج المنفي ما لا يتحمّله أمثاله ونظراؤه من الناس . فليس المعيار في تعيين الحرج المنفي بهذا المعنى شخص الفاعل ، بل المدار على تحمُّل أمثاله ونظرائه ، وإن كان لطاقة شخص الفاعل دخلٌ في تعيين المعيار . ولعلّه لأجل ذلك إضطرب كلام مثل الشيخ الأعظم في المقام ، ففي موردٍ نفى اعتبار الحرج الغالبي في ارتفاع التكليف ، وفي مورد آخر حكم باعتباره ، كما عرفت من كلامه .
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 300 | علي أكبر السيفي المازندراني