كان عن استعلاءٍ ، فانّ عدم الشأنية للأمر والإلزام لا ينافي صدقهما عرفاً على الصادر ممن لا شأنية له لذلك ، بل لأجل ذلك يذمّ السافل على أمره من فوقه .
حكم العقل لا ينافي دليلية التبادر بل إنّه منشؤه
وقد ذهب جماعة من المحققين - كالسيد الخوئي والشيخ المظفر - إلى دلالة لفظ الأمر على الوجوب بقرينة حكم العقل لا الوضع .
وحاصل كلامهم أنّ ظهور لفظ الأمر ومادّته في الوجوب لا ريب فيه ولا ينبغي الكلام فيه . وإنما الكلام في منشأ ظهوره .
وقالوا : إنّ منشأه هو حكم العقل بدعوى أنّ لفظ الأمر إنّما وُضع لمطلق الطلب ، ولكن العقل إذا أحرز طلب المولى يحكم بوجوب طاعته ؛ قضاءً لحق العبودية والمولوية ، ما دام لم يثبت له الترخيص في تركه بدليل .
وفيه : أنّ حكم العقل بلزوم الإجابة لطلب المولى ما دام لم يحرز ترخيصه في الترك ، وتقبيح مخالفته قضاءً لحق العبودية والمولوية ، وإن لا يمكن إنكاره - كما سيأتي في بيان دلالة صيغة الأمر على الوجوب بهذا التقريب العقلي - ، إلّا أنّ إنكار تبادر الإلزام والإرادة الحتمية من لفظ الأمر وضعاً غير وجيه ولا يمكن المساعدة عليه .
وذلك لما نشاهده بالوجدان في ارتكازنا العرفي من الفرق بين لفظي الأمر والطلب ؛ حيث يتبادر الطلب الإلزامي من لفظ الأمر ، والأعم منه وغير الإلزامي من لفظ الطلب .
كما نشاهد عين هذا الفرق في اللغة الفارسية بين لفظي « دستور وفرمان » وبين لفظي « خواستن ودرخواست » في ارتكاز أهل الفرس . نعم ، يمكن أن يقال :
إنّ حكم العقل بذلك منشأ هذا التبادر والارتكاز .