مقتضىالتحقيق
ولكن التأمل يقضي بخلاف ذلك كله ، فانّ الذي يساعده الارتكاز والمتفاهم العرفي أخذ الاستعلاء في معنى لفظ الأمر ؛ حيث إنّ المرتكز في الذهن والمتفاهم عرفاً من لفظ الأمر هو الطلب عن استعلاءٍ .
ويشهد لذلك الوجدان العرفي ؛ حيث إنّك ترى أهل العرف يذمّون السافل - حينما أمر من فوقه - بقولهم : « لِمَ أمرته ؟ ليس من شأنك أن تأمر من فوقك » ، ويرون ذلك من سوء أدبه . فلو لم يكن أمره أمراً في ارتكازهم ، لما صحّ ذمّه ولومه على ذلك بما أنّه أمرٌ .
وهذا شاهدٌ على عدم صحة سلب معنى الأمر عن أمر السافل المستعلي في نظر العرف . وعدم صحة السلب علامة الحقيقة ، ألا ترى أنّ الأب لو طلب من ولده شيئاً على غير وجه الاستعلاءِ ، من استدعاءٍ واقتراح ونحو ذلك ، لا يقال : إنّه أمر ولده بذلك . ومن هنا لو شك الولد في ذلك يسأل والده بقوله : « أتأمرني بذلك ؟ » .
وأمّا كون صدق الأمر عليه بالادعاء والعناية - كما قال المحقق العراقي « 1 » - فهوخلاف مقتضى الوجدان العرفي . ومن هناترىالعرف لا يعتذرونعنالسافل المستعلي بأنّه لم يأمر أو بأنّ طلبه الاستعلائي ليس بأمر ، ولو اعتُذر عنه بذلك لا يقبلونه ، بل غاية ما يعتذرون عنه هي أنّ أمره نشأ من قلّة فهمه وجهالته .
فاتضح بما بينّاه أنّ ما يظهر من السيد الإمام الراحل ، من اعتبار العلوّ والاستعلاءِ كليهما ، لا يساعده الوجدان العرفي . ومما يشهد لذلك صدق عنوان الأمر بالمعروف على الأمر الصادر من السافل فضلًا عن المساوي ؛ حيث يصدر الأمرُ من الآمر بالمعروف عن استعلاءٍ ، ويشهد لذلك إطلاق قوله تعالى :
« المؤمنون بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف . . . » الشامل للأمر الصادر من السافل ، فضلًا عن المساوى بلا عناية ولا مجاز .
هامش
( 1 )
مقالات الأصول : ج 1 ، ص 207 وبدايع الأفكار : ج 1 ، ص 196