تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
والعجب من صاحب الكفاية ؛ حيث جمع بين كون الاقتضاء بمعنى العلية وبين كون الإجزاء بمعنى الكفاية . فإنّ الكفاية والإسقاط ونحو ذلك عناوين انتزاعية ينتزعها العقل من الإتيان بالمأمور به ؛ نظراً إلى حصول الغرض من الأمر به . وليست قابلة لتأثير عمل المكلف فيها ، ولا أن تكون أثره ، مع أنّ الكفاية هنا بمعنى الكشف عن عدم بقاء التكليف والأمر وليس الشيء العدمي معلولًا . نعم لا يمكن إنكار دخل الامتثال في حصول الغرض وسقوط الأمر وبالمآل في الإجزاء ، كما هو المراد من الاقتضاء ، إلّاأنّه ليس بمعنى العلّية والتأثير ، بل مفاهيم عقلية وعناوين انتزاعية ، كما قلنا . وحاصل الكلام : أنّ الاقتضاء في المقام ليس بمعنى العليّة المصطلحة في المعقول ؛ نظراً إلى أنّ العلية في اصطلاح أهل المعقول بمعنى التأثير التكويني والإيجاد الواقعي ، فالعلّة هو المؤثر في وجود المعلول تكويناً ومولّده واقعاً ، والمعلول هو الموجود بسبب تأثير العلّة في تحققه ووجوده الخارجي الواقعي . وليس الإجزاء شيئاً موجوداً متحققاً في الخارج واقعاً وتكويناً ، حتى يكون الإتيان بالمأمور به مؤثراً في وجوده تكويناً وسبباً في تحققه واقعاً ، بل الإجزاء من المفاهيم العقلية والعناوين الانتزاعية التي يدركها العقل وينتزعها من الإتيان بالمأمور به وامتثال الأمر . ثمّ الظاهر أنّ المراد من الاقتضاء دلالة الأمر الأوّلي أو الثانوي على الإجزاء بالالتزام ، بدلالة الاقتضاء المبتنية على مناسبة الحكم والموضوع . وذلك لأنّ الأمر لمّا صدر بداعي غرض ، وهو حصول المأمور به ، فإذا حصل يسقط الغرض ، فينتهي اقتضاؤه للبعث ، كما أنّ الأمر كذلك في انتهاء إرادة الفاعل عند حصول غرضه بفعله من دون أن يحدث شيءٌ بسبب إتيان المأمور به ، حتى تتصوّر له العلية .