الغلبة في الاستعمال والوجود
تحرير محل النزاع :
وقع الخلاف في أنّ غلبة استعمال اللفظ في صنف أو فرد من الكلّي الموضوع له ، أو غلبة وجود ذلك الفرد أو الصنف في الخارج ، هل توجب انصراف اللفظ عن الكلي الموضوع له - الذي هو المعنى الحقيقي - إلى ذلك الفرد أو الصنف الخاص وظهوره فيه أم لا ؟
ولا يخفى أنّ محل الكلام ليس فيما إذا لم يعلم كون اللفظ حقيقةً في المعنى المستعمل فيه ؛ وإلّا لا وجه لدعوى الانصراف عن المعنى الموضوع له إلى غيره . وإنّما الكلام في ظهور اللفظ في فرد أو صنفٍ من طبيعي المعنى الكلّي الموضوع له ، إمّا لغلبة استعماله في ذلك الفرد أو الصّنف ، أو لغلبة وجود ذلك الفرد أو الصنف . وعليه فما يتراءى من كلام بعض من عدم علامية غلبة الاستعمال للحقيقة لا ربط له بالمقام ، كقول صاحب القوانين : « فالتحقيق منع كون غلبة الاستعمال دليلًا للحقيقة » ؛ « 1 » حيث إنّ مقصوده عدم علامية غلبة الاستعمال للحقيقة ، كالتبادر ، لاعدم ظهور اللفظ فيما غلب استعماله فيه ؛ إذ لا منافاة بينهما ، بل الكلام فيما لم يكن اللفظ حقيقة فيه ، وإلّا لاوجه للتمسك بغلبة الاستعمال لاثبات الظهور .
ويظهر من جماعة من فحول المحققين أنّ الغلبة إذا كانت في استعمال اللفظ في المعنى توجب ظهور اللفظ في ذلك المعنى ، وهو حجّة . وأما إذا كانت في الوجود الخارجي فلا يوجب ظهوره في الفرد الغالب . وذلك كقوله : « جئني بماءٍ » لمن كان في جنب الفرات ، فانّ غلبة وجود ماءِ
هامش
( 1 ) قوانين الأصول : ص 196 .