عصرنا أمراً مستحدثاً لأنه استنباط الأحكام بالدليل التفصيلي المبتني على علوم مختلفة دقيقة في عصرنا وهو يفترق عن الاجتهاد البسيط في تلك الأعصار .
ولا يخفى أنّ كشف هذه الطريقة عن معاصرة السيرة للشارع إنّما يختصّ بما إذا لم يكن مصبّ السيرة ومجراها في أُمور مرتبطة بحالات وأغراض شخصية عمّت لغالبالناس صُدفة ؛ حيث لا جهة اشتراك عقلائي حينئذٍ ليكشف عن جريان سيرة العقلاء المعاصرين في زمان الشارع .
وأما وجه اشتراك عقلاءِ الأعصار في السير العقلائية ، نشأتها من ارتكازاتهم الفطرية وقرايحهم الجبلية وغرائزهم الطبعية المشتركة بينهم بما أنّهم مجبولون عليها . ولذلك تثبت معاصرة السيرة الفعلية للشارع ، لا لكونها ناشئة عن حكم العقل ، كما قد يُتوهّم .
هذا ولكن مقتضى التحقيق عدم إفادة هذه الطريقة أكثر من الظن والحدس بالمعاصرة ولا يصلح ذلك للدليلية على إثبات المطلوب .
وقد تُقرّب هذه الطريقة الثالثة وكشفها عنموافقة الشارع للسيرة وإمضائه لها : بأنّ ما جرت عليه سيرة العقلاء لمّا كان وفق ارتكاز العقلاء وطبعهم ، يكون غير ما جرت عليه سيرتهم مخالفاً لطبع العقلاء وقريحتهم . وعليه فلو كان ذلك الأمر المخالف لطبع العقلاء متعلّقاً لتشريع الشارع وجعل الحكم عليه لكثرة السؤال والجواب حوله بين الأصحاب ، ولوصلت إلينا الروايات المتعرّضة لذلك . وحيث لم يرد من الشارع نصّ يدل على ذلك ، ينكشف بذلك عدم كونه مورداً للتشريع ولا متعلّقاً للحكم الشرعي . ولمّا كان المورد مما يعمّ به البلوى ، ومن المقطوع عدم سكوت الشارع عن بيان حكم مثل هذه الأمور الخطيرة ، يدور الأمر لا محالة بين جعل الحكم على
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 38
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص٣٨