السيرة الناشئة من حكم العقل
وهاهنا نكتة مهمة لا ينبغي الغفلة عنها ، وهي : أنّه إذا كانت السيرة العقلائية ناشئة من حكم العقل العملي « 1 » لا ريب في حجيتها بنفسها دائماً من دون حاجة إلى إمضاءِ الشارع ؛ لأنّ مرجعها حينئذٍ إلى حكم العقل ، فيكون الدليل في الحقيقة هو العقل ، لابناءُ العقلاء . وذلك فيما إذا كان مصبّ السيرة بنفسه متعلّقاً لحكم العقل ، كالسيرة العقلائية الجارية على تقبيح الظلم والكذب وتحسين الصدق والعدل ورجوع الجاهل إلى العالم ، ومثل بنائهم على فعل ما يحفظ به نظام الحياة والمعاش في مختلف شؤون عيشهم ، وعلى الاجتناب عما يخلّ بالنظام ، كايجاد النظم في أمور الحياة والعيش .
وإنّما تحتاج السيرة العقلائية إلى إمضاء الشارع إذا لم تنشأمن حكم العقل ، بأن نشأت من طبعالبشر وغرائزه وفطرته وجبلّته المكنونة فيه أو من مشاهداته وتجربياته ، أو استقراءاته ، أو كان مما يتوقف عليه نظام حياة البشر ويتقوّم به عيشه المدني ، أو كان مما ينتهي إلى حكم العقل بوسائط وقياسات عديدة ، لا بالمباشرة . وأكثر موارد السيرة العقلائية من هذا القسم . وهو الذي يعدّ دليلًا مستقلًا عن العقل بعنوان بناءِ العقلاء ، وإلّا فلو كان للعقل حكم مستقل في مورد سيرةٍ عقلائية بنفسه وبالمباشرة من
هامش
( 1 ) إذا كان حكم العقل متعلقاً بالعمل يُعبّر عنه بحكم العقل العملي . ذلك بأن يحكم العقل بحسن فعل شيءوقبح تركه أو بالعكس ، كحكم العقل بحسن الصدق والعدل وإعانة الضعيف والمظلوم وحكمه بقبح الكذب والظلم وإعانة الظالم . وإذا كان حكم العقل متعلقاً بوجود الشيءِ وأحكام الموجود يُعبّر عنه بحكم العقل النظري كحكمه بالامكان والوجوب والامتناع والتقدم والتأخروالعلية والمعلولية والتضاد والتناقض ، وغير ذلك من أحكام الوجود والعدم . وحكم العقل الثابت في مورد السيرة العقلائية من قبيل حكم العقل العملي