بذاك « 1 » مع أن فطرة جميع العقلاء تشهد بأن الحقّ لا يجتمع مع طرفي النقيضين ، والصدق لا يتحقق مع المتضادين ، وارشادا إلى حكم الفطرة قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « ما اختلفت دعوتان إلّا كانت إحداهما ضلالة » . المختار ( 183 ) من قصار النهج .
مع ما اتفقت عليه الأمّة الإسلامية ، واطباقهم عن بكرة أبيهم ، على أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلّا واحدة » .
فلو كان القرآن المقدس بنفسه كافيا لصلاح الخلق ورشادهم ، لم يتصور أن يكون المنتمي إلى القرآن في النار ، ولو كان الكتاب العزيز بوحده وافيا لهداية ملأ العقلاء ، لكانت جميع الأمم المعتنقة دين الإسلام خاضعة لأحكام القرآن ، ولأصبحت الأمم أمة مسلمة ، فما بال المسلمين أقل الأمم وأذلها ، ولو كان الكتاب السماوي بانفراده كفيلا بالارتقاء إلى أوج الكمالات الدنيوية والأخروية ، لكان بعث الرسول لغوا ، ولاكتفى اللّه جلّ شأنه بإنزال الكتاب فقط ، فما باله بعث أربعة وعشرين ومئة ألف نبيّ ولما أنزل اللّه مئة وأربعة عشر كتابا ، بل الواجب المغني هو انزال كتاب واحد ، فلماذا أنزل الكتاب كالرسل تترى .
مع أن البديهيات ان القوانين المقننة ، تحتاج إلى مهيمن عالم عامل على تطبيقها ، لينفّذها علما وعملا ، ويحافظ عليها بعلمه الثاقب ، وعمله الصائب عن شوب الانحراف ، والسهو والخطأ والغفلة ، وإلّا فلا تلبث إلّا كلمح البصر ، حتّى ترميها الشياطين بسهم التغيير والتبديل ، وتصبح منحرفة عن مجراها ، سائرة إلى
هامش
( 1 ) إشارة إلى قول الشاعر :وكلّ يدعي وصلا بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكا
إذا انبجس الدموع على خدود * تبين من بكى ممن تباكى