عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
« 1 » .
لقد خبّرني حبيب اللّه وخيرته من خلقه ، وهو الصّادق المصدوق عن يومي هذا ، وعهد إليّ فيه فقال : يا عليّ ! كيف بك إذا بقيت في حثالة من النّاس « 2 » تدعو فلا تجاب وتنصح عن الدّين فلا تعان .
وقد مال أصحابك ، وشنف لك نصحاؤك « 3 » وكان الّذي معك أشدّ عليك من عدوّك ؛ إذا استنهضتهم صدّوا معرضين ، وإن استحثثتهم أدبروا نافرين « 4 » يتمنّون فقدك لما يرون من قيامك بأمر اللّه عزّ وجلّ ، وصرفك إيّاهم عن الدّنيا ، فمنهم من قد حسمت طمعه « 5 » فهو كاظم على غيظه ، ومنهم من قتلت أسرته فهو ثائر متربّص بك ريب المنون وصروف النّوائب « 6 » وكلّهم نغل الصّدر « 7 » ، ملتهب الغيظ ، فلا تزال فيهم كذلك
هامش
( 1 ) الآية ( 17 ) من سورة لقمان : 31 .
( 2 ) الحثال والحثالة - كغراب وثعالة - : الرديء من كلّ شيء . وحثالة الناس : رذالهم .
وحثالة الدهن : ثفله . ويقال : هو من حثالتهم ، أي مما لا خير فيه منهم . والأصل فيه هو ما يسقط من قشر الشعير والأرز ونحوهما ثمّ يستعار لغيره .
( 3 ) أي عدل أصحابك عن الحقّ ، ومالوا إلى الباطل ، ونظروا إليك بنظر البغض ، يقال :
شنف ( من باب ضرب ونصر ) شنفا - كنصرا - إليه : نظر إليه كالمعترض عليه ، أو المتعجب منه ، وشنف - ( من باب علم ) شنفا - كفرسا - فلانا ولفلان : أبغضه ، وشنف إليه : نظر إليه بمؤخر العين والشنف - ككتف - : المبغض . والشانف : المعرض ، يقال : لشانف عنّا بأنفه : أي مترفع .
( 4 ) أي كارهين لما تحث عليه ، وجازعين مما تدعو إليه ، ومعرضين عما تأمر به .
( 5 ) حسم حسما ( كضرب ضربا ) الشيء أي قطعة مستأصلا إيّاه فانحسم هو ، أي انقطع .
وحسم العرق أي قطعه ثمّ كواه لئلّا يسيل دمه . وحسم الداء : قطعه بالدواء . وحسمه الشيء أي منعه إيّاه .
( 6 ) ريب المنون : حوادث الدهر . وقيل : المنون : الموت ، وريبه عروضه . والنوائب جمع نائبة - مؤنث النائب - وهي النازلة أي المصيبة ، وربّما تستعمل في الحادثة خيرا كانت أو شرّا ، وصروف النوائب : حدثانها . وعليه فالمعطوف تأكيد للمعطوف عليه ، وهذه الفقرات قريبة جدّا من الآيات ( 28 و 29 و 30 ) من سورة الطور .
( 7 ) أي فاسد القلب ، سيّىء النية ، ضغن القلب .