قال [ ابن عباس ] : وأقبل معاوية في الكتيبة الشهباء - وهي زهاء عشرة آلاف - بجيش شاكين في الحديد ، لا يرى منهم إلّا الحدق تحت المغافر ، فقال عليه السّلام :
ما لكم تنظرون ؟ بما تعجبون ؟ إنّما هم جثث ماثلة ، فيها قلوب طائرة مزخرفة بتمويه الخاسرين ، ورجل جراد زفت به ريح صبا ، ولفيف سداه الشّيطان ولحمته الضّلالة ، وصرخ بهم ناعق البدعة ، وفيهم خور الباطل ، وضحضحة المكاثر ، فلو مسّتها سيوف أهل الحقّ لتهافتت تهافت الفراش في النّار « 1 » .
ألا فسوّوا بين الرّكب ، وعضّوا على النّواجذ ، واضربوا القوابض [ القوانص « خ ل » ] بالصّوارم ، وأشرعوا الرّماح في الجوانح ، وشدّوا فانّي شادّ ، حم لا ينصرون « 2 » .
هامش
( 1 ) الجثث جمع جثة ، وماثلة أي ممثلة كأنها لا روح لها ، بل هي تماثيل . ورجل - كحبر - : القطعة العظيمة من الجراد . وزفت به ريح صبا أي طردته ونقلته . وهو من قولهم : « زفى زفيا وزفيانا » الريح السحاب أو التراب : استخفته وطردته ، والفعل من باب « رمى » والمصدر على زنة فلس ورمضان . واللفيف : الجمع العظيم من أخلاط شتى فيهم الشريف والدنيء والقوي والضعيف . وجمع لفيف أي ملتف من كلّ مكان .
وما ألطف هذا التعبير ، حيث شبه جمعهم بثوب مرقع سداه الشيطان ، ولحمته الضلالة .
وخور الباطل : ضعفه ، وضحضحة المكاثر : التهديد الذي يأتي به المكاثر ويدعيه ولا واقع له .
( 2 ) والقوابض : الأيدي القابضة . والقوانص : الأعناق والصدور ، تشبيها بقانصة الطير . أو الفرق التي تريد اصطيادكم ، من قنصه أي صاده . والصارم : السيف القاطع . وشرعت الرمح قبله وأشرعته : سددت . وشدوا : احملوا . وعن ابن الأثير في النهاية : « وفي حديث الجهاد : إذا أتيتهم فقولوا حم لا ينصرون . قيل : معناه : اللّهمّ لا ينصرون - ويراد به الخبر لا الدعاء - ، فإنه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوما - فكأنه قال : واللّه لا ينصرون . وقيل : ان السور التي أوّلها حم ؛ لها شأن ، فنبه إلى أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من اللّه ، وقوله : لا ينصرون مستأنف ، كأنه حين قال : قولوا : حم ، قيل : ماذا يكون إذا قلناها ؟ فقال : لا ينصرون .