ذهب منها لم يستخلف النفقة ، وما جعل منها في الباطل لم يرجع في الحقّ ، فينتبه لهذه المحاسبة عند الحول إذا حال ، والشهر إذا انقضى ، واليوم إذا ولّى ، فينظر فيما أفنى من ذلك وما كسب لنفسه وما اكتسب عليها في أمر الدين وأمر الدنيا ، بحساب فيه احصاء وجد وتذكير وتبكيت النفس وتذليل لها حتّى تعترف وتذعن .
( وأمّا الخصومة ) فان من طباع النفس الامارة بالسوء أن تدعي فيما مضى العذر ، وفيما بقي الأماني ، فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها .
( وأمّا القضاء ) فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيّئة أنها سيّئة ، والسيّئة فاضحة مردية موبقة ، وعلى الحسنة انها زائنة وانها مربحة منجية .
( وأما الإبانة والتفصيل ) ، فإنه يسر نفسه بتذكير تلك الحسنات ويرجو عواقبها ، ويأمل فضلها ، ويعاتب نفسه على الحقيقة إذا تذكر السيّئات فاستبشعها واقشعر منها ، فحزن على ما ارتكبه منها ، وعلم أن أفضل ذوي الألباب أكثرهم محاسبة لنفسه ، وأقلهم فترة فيها .
( وأمّا التنكيل بها ) فإنه يعاقبها إذا عصته في بعض الأوقات بالزامها ما يشق عليها من الصوم والطي والعبادات الثقيلة ، والسعي الذي فيه طول ومشقة إلى المواضع التي يشرفها الناس .
( وعلى العاقل ) أن يذكر الموت في كلّ يوم وليلة مرارا ، يباشر القلب ويقدع [ ويقزع « خ » ] الطماح ، فان في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر ، وأمانا من الهلع .
( وعلى العاقل ) ان يحصي على نفسه مساوئها في الدين وفي الرأي وفي الأدب ، فيجمع ذلك كله في صدره أو في كتاب ، ثمّ يكثر عرضها على نفسه ويكلفها اصلاحه ، ويوظف ذلك عليها من اصلاح الخلة أو الخلتين أو الخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر ، فكلما اصلح شيئا محاه ، وكلما نظر إلى محو استبشر ، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب .
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 189
مساهمون: عزيز آل طالب
ص١٨٩