تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
ولا تعارض بين الطائفتين من الحجج ، لأن أدلّة الاستيحاش والانزواء عن الناس ناظرة إلى الاجتماع بهم في مجالس الباطلين وصرف الأوقات باللّعب واللّهو ، والغفلة والجهالة ، وانتقاد المؤمنين والتشبيب بنساء المسلمين وغيبة الأبرياء ، والافتراء على الصلحاء كما هو المشهود من مجالسة سواد الناس إذا لم يكن فيهم عالم عامل مقتدر ، وفيما سلف من الزمان أيضا كانوا كذلك كما يكونون على هذه الحال فيما سيأتي بالقيود الّتي ذكرناها . وللمحقق كمال الدين البحراني ابن ميثم رحمه اللّه كلام في هذا المقام ما أجوده فإنه قال - بعد ما ذكر احتجاج الطرفين - : أقول : ان كلا الاحتجاجين صحيح ، لكنه ليس أفضلية العزلة مطلقا ، ولا أفضلية المخالطة مطلقا ، بل كلّ في حقّ بعض الناس بحسب مصلحته ، وفي بعض الأوقات بحسب ما يشتمل عليه من المصلحة . واعلم أنّ من أراد ان يعرف مقاصد الأنبياء عليهم السّلام في أوامرهم وتدبيراتهم ، فينبغي له أن يتعرّف طرفا من قوانين الأطباء ومقاصدهم من العبارات المطلقة لهم ، فانّه كما أن الأطباء هم المعالجون للأبدان بأنواع الأدوية والعلاجات ، لغاية بقائها على صلاحها أو رجوعها إلى العافية من الأمراض البدنية ، كذلك الأنبياء عليهم السّلام ومن يقوم مقامهم ، فإنهم أطباء النفوس والمبعوثون لعلاجها من الأمراض النفسانية ، - كالجهل وسائر رذائل الأخلاق - بأنواع الكلام من الآداب والمواعظ والنواهي والضرب والقتل ، وكما أن الطبيب قد يقول : الدواء الفلاني نافع من المرض الفلاني ولا يعني به في كلّ الأمزجة بل في بعضها ، كذلك الأنبياء والأولياء إذا أطلقوا القول في شيء انّه نافع - كالعزلة مثلا - فإنهم لا يريدون أنّها نافعة لكل انسان ، وكما أن الطبيب قد يصف لبعض المرضى دواء ويرى شفاءه فيه ، ويرى أن ذلك الدواء بعينه لمريض آخر كالسم القاتل ويعالجه بغيره ، كذلك الأنبياء عليهم السّلام قد يرون أن بعض الأمور دواء النفوس فيقتصرون عليه ، وقد يرون أن بعض الأوامر علاج لبعض
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 103 | عزيز آل طالب / الشيخ محمد باقر المحمودي