تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
أقول : قد اختلف العلماء في ترجيح الانزواء والوحدة والفرار من الناس على الاجتماع والائتلاف والاستيناس أو العكس ، فذهب بعضهم إلى رجحان الخمول واخماد الصيت والانعزال عن الناس على الألفة والأنس والاجتماع والمعاضدة ، ومستنده الأخبار المتقدّمة وما يشبهها من الأدلّة المسعية الكثيرة الواردة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيته عليهم السّلام المسلمة بين المسلمين ، وقد ذكرنا قبسا ثاقبا منها . وذهبت طائفة إلى رجحان الاجتماع والترافق والتعاون والتآلف ، ومستمسك هذه الطائفة أيضا طوائف كثيرة من الأدلّة السمعية كقوله تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
. وكقوله تعالى :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
. وكقوله تعالى :
تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
. إلى غير ذلك من الآيات الّتي تجري مجراها ، وكذلك تمسكوا بالاخبار الحاثة على الاجتماع ، والرادعة عن التفرق والانزواء ، وبالأخبار الدالّة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالأدلّة المرغّبة في العلم المنفّرة من الجهل . والحقّ أن كلّ واحدة من الحجتين على اطلاقها ليست على ما ينبغي ، إذ ربّ شخص لا يجوز له الانقباض والانفراد عن المجتمع مثل ما إذا كان وجب عليه عينيّا - بالذات أو بالعرض - ارشاد الناس وحملهم على الصراط السوي ، وربّ شخص يكون الاجتماع عليه محرما ، مثل ما إذا كان اجتماعه مع أبناء نوعه مستلزما للوقوع في الحرام والفساد ، امّا لأن نفسه ضيقة لا تساعده على تحمل الحقّ والثبات على الصدق مع الاياب والذهاب إلى المجتمع أو لأن المجتمع فاسد ولا يمكنه التوقّي من مفاسدهم مع معاشرتهم ومراودتهم كما هو شأن أكثر الناس عند استفحال البدع وظهور الفحشاء والمنكر باستيلاء الكفار أو الظلمة والفسقة على سدّة السلطة ومقاليد الحكم .
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 102 | عزيز آل طالب / الشيخ محمد باقر المحمودي