أين من شقّ الأنهار ؟ وغرس الأشجار ، وعمّر الدّيار ؟ ألم تمح منهم الآثار ؟ وتحلّ بهم دار البوار ؟ فاخش الجوار ، فلك اليوم بالقوم اعتبار ، فإنّ الدّنيا متاع والآخرة هي دار القرار .
تخرّمهم ريب المنون فلم تكن * لتنفعهم جنّاتهم والحدائق
ولا حملتهم حين ولّوا بجمعهم * نجائبهم والصّافنات السّوابق
وراحوا عن الأموال صفرا وخلّفوا * ذخائرهم بالرّغم منهم وفارقوا
أين من بنى القصور والدّساكر ؟ وهزم الجيوش والعساكر ؟ وجمع الأموال ؟
وحاز الآثام والجرائر ؟ أين الملوك والفراعنة ؟ والأكاسرة والسّياسنة ؟ أين العمّال والدّهاقنة ؟ أين ذوو النّواحي والرساتيق ؟ والأعلام والمجانيق ؟ والعهود والمواثيق ؟
كأن لم يكونوا أهل عزّ ومنعة * ولا رفعت أعلامهم والمجانق
ولا سكنوا تلك القصور الّتي بنوا * ولا أخذت منهم بعهد مواثق
وصاروا قبورا دارسات وأصبحت * منازلهم تسفي عليه الخوافق
ما هذه الحيرة والسبيل واضح ؟ والمشير ناصح ؟ والصّواب لائح ؟ عقلت فأغفلت ، وعرفت فأنكرت ، وعلمت فأهملت ، هذا هو الدّاء الّذي عزّ دواؤه ، والمرض الّذي لا يرجى شفاؤه ، والأمل الّذي لا يدرك انتهاؤه أفأمنت الأيام ، وطول الأسقام ؟ ونزول الحمام ؟ واللّه يدعو إلى دار السّلام .
لقد شقيت نفسي تتابع غيّها * وتصدف عن إرشادها وتفارق
وتأمل ما لا يستطاع بحيلة [ بحمله « خ » ] * وتعصيك إن خالفتها وتشاقق
وتصغي إلى قول الغوي وتنثني * وتعرض عن تصديق من هو صادق
فيا عاقلا راحلا ، ولبيبا جاهلا ، ومتيقظا غافلا ، أتفرح بنعيم زائل ؟
وسرور حائل ؟ ورفيق خاذل ؟ فيا أيّها المفتون بعمله ، الغافل عن حلول أجله ، والخائض في بحار زلله ، ما هذا التّقصير وقد وخطك القتير ؟ ووافاك النّذير وإلى