شغلا يستفرغ عليه أحزانه ، ويذهله عن دنياه ، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه ، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه ، مستوقف على حسابه ، ولا وزير له يمنعه ، ولا ظهير عنه يدفعه ، ويومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنّا منتظرون .
أوصيكم بتقوى اللّه ، فإنّ اللّه قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عمّا يكره إلى ما يحبّ ويرزقه من حيث لا يحتسب ، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ، ويأمن العقوبة من ذنبه ، فإنّ اللّه تبارك وتعالى لا يخدع عن جنّته ، ولا ينال ما عنده إلّا بطاعته إن شاء اللّه » .
وروى المحدّث النّوري رحمه اللّه في الحديث : ( 26 ) من كتاب معالم العبر المطبوع مع المجلد السابع عشر من بحار الأنوار : طبع الكمباني ص 275 قال :
حدّث شاكر بن غنيمة بن أبي الفضل ، عن عبد الجبار الهاشمي ، قال :
سمعت هذه النّدبة من الشّيخ أبي بشر بن أبي طالب الكندي ، يرويها عن أبي عيينة الزّهري قال : كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يناجي ويقول :
قل لمن قلّ عزاؤه ، وطال بكاؤه ، ودام عناؤه ، وبان صبره ، وتقسّم فكره ، والتبس عليه أمره ، من فقد الأولاد ، ومفارقة الآباء والأجداد ، والامتعاض بشماتة الحسّاد ،
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
.
تعزّ فكلّ للمنيّة ذائق * وكلّ ابن أنثى للحياة مفارق
فعمر الفتى للحادثات ذريئة * تناهبه ساعاتها والدّقائق
كذا تتفانى واحد بعد واحد * وتطرقنا بالحادثات الطوارق
فحسّن الأعمال ، وجمّل الأفعال ، وقصّر الآمال الطّوال ، فما عن سبيل المنيّة مذهب ، ولا عن سيف الحمام مهرب ، ولا إلى قصد النّجاة مطلب .
فيا أيّها الإنسان المتسخّط على الزّمان ، والدّهر الخوان ، مالك والخلود إلى دار الأحزان ؟ والسّكون إلى دار الهوان ؟ وقد نطق القرآن بالبيان الواضح في سورة الرحمن [ بقوله : ]
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ