فلمّا قدم كتابهم إلى معاوية دعا بسر بن أبي أرطاة - وكان قاسي القلب فظّا سفّاكا للدماء ، لا رأفة عنده ولا رحمة - فأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة ، حتى ينتهي إلى اليمن ، وقال له : لا تنزل على أهل بلد أهله على طاعة عليّ إلّا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنّهم لا نجاة لهم وأنّك محيط بهم ، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبي فاقتله واقتل شيعة عليّ حيث كانوا .
فخرج بسر في ألفين وستّمئة حتى قارب المدينة ، فخرج منها هاربا عامل عليّ عليه السلام عليها أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فدخل بسر المدينة ، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ، وأحرق منها دورا كثيرة منها دار زرارة بن حرون ، ودار رفاعة بن رافع الأنصاريين ، ودار أبي أيوب ، صاحب منزل رسول اللّه ، وطلب جابر بن عبد اللّه الأنصاري فلم يجده فقال لقومه : يا بني سلمة لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر . فأتى بنو سلمة جابرا وقالوا له : ننشدك اللّه لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك ، فانّك ان لم تفعل يقتل مقاتلينا ويسبي ذرارينا . قال جابر فاستنظرتهم لليل ، فلما أمسيت دخلت على أم سلمة فأخبرتها الخبر . فقالت : يا بني انطلق فبايع واحقن دمك ودماء قومك ، فاني قد أمرت ابني عمر ، وابن أخي ان يبايعا وإني لأعلم أنها بيعة ضلالة . فذهب جابر فبايع .
فأقام بسر بالمدينة أياما واستخلف عليهم أبا هريرة وحذرهم الخلاف ثمّ خرج منها إلى مكة ، وقتل في طريقه رجالا وأخذ أموالا ، وبلغ خبره أهل مكة فهرب منها قثم بن العباس عامل أمير المؤمنين عليه السلام وتنحى عنها عامة أهلها ، وتراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج منها قثم بن عباس .
وخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم وهددهم بالقتل ، فقالوا :
ننشدك اللّه في أهلك . فسكت ثمّ دخل وطاف بالبيت وصلى ركعتين ، ثمّ خطبهم ،
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 356
مساهمون: عزيز آل طالب
ص٣٥٦