وإعطاء البيعة والألفة ، فسألت أهل الحجى والدّين الخالص ، والورع الصّادق ، واللّبّ الرّاجح ، عن بدء مخرجكم وما نويتم به ، وما أحمشكم له « 4 » ، فحدّثت عن ذلك بما لم أر لكم في شيء منه عذرا مبيّنا ، ولا مقالا جميلا ، ولا حجّة ظاهرة ، فإذا أتاكم رسولي ، فتفرّقوا وانصرفوا إلى رحالكم ، أعف عنكم ، واتّقوا اللّه وارجعوا إلى الطّاعة أصفح عن جاهلكم ، وأحفظ قاصيكم « 5 » ، وأقم فيكم بالقسط ، وأعمل فيكم بحكم الكتاب ، فإن أبيتم ولم تفعلوا فاستعدّوا لقدوم جيش جمّ الفرسان « 6 » عظيم الأركان ، يقصد لمن طغى وعصى ، لتطحنوا طحنا كطحن الرّحى ، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ،
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
.
فوجّه عليه السلام الكتاب مع رجل من همدان ، فقدم عليهم بالكتاب ، فلم يجيبوه ، فقال لهم : إني تركت أمير المؤمنين يريد أن يوجه إليكم يزيد بن قيس الأرحبي في جيش كثيف ، فلم يمنعه إلّا انتظار جوابكم . فقالوا : نحن مطيعون إن عزل عنا عبيد اللّه وسعيدا .
فرجع الهمداني إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأخبره خبر القوم ، ولما رجع الهمداني ، كتبت تلك العصابة إلى معاوية وكتبوا في كتابهم :
معاوية إلّا تسرع السير نحونا * نبايع عليّا أو يزيد اليمانيا
هامش
( 4 ) « المحرك » أما مصدر ، واما اسم فاعل من باب التفعيل . قوله عليه السلام : « وما أحمشكم له » : ما أغضبكم وهيّجكم . يقال : « حمشه حمشا - من باب نصر - وحمشه تحميشا » : هيجه وأغضبه . جمعه . و « أحمشه احماشا » : أغضبه .
( 5 ) أي لا أغفل عنه بحرمانه من العطاء واجراء موازين اللطف والشفقة عليه من أجل بعده . والقاصي : البعيد .
( 6 ) أي كثير الفرسان متجمع الشجعان والأبطال .