بيد ابن أخ له يقال له : عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عفيف - فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين عليه السلام بباب السدّة ، ثمّ جثا على ركبتيه وقال : يا أمير المؤمنين ها أنا ذا لا أملك إلّا نفسي و [ ابن ] أخي ، فمرنا بأمرك فو اللّه لننفذنّ له ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا « 18 » حتى ننفذ أمرك أو نموت دونه . فدعا عليه السلام لهما بخير ، وقال لهما : أين تبلغان - بارك اللّه عليكما - ممّا نريد « 19 » .
ثمّ أمر [ عليه السلام ] الحارث الأعور الهمداني ، فنادى في الناس : أين من يشري نفسه لربّه ويبيع دنياه بآخرته ، أصبحوا غدا بالرحبة إن شاء اللّه ، ولا يحضرنا إلّا صادق النية في المسير معنا ، والجهاد لعدونا . فأصبح بالرحبة نحو من ثلاثمئة ، فلما عرضهم [ عليه السلام ] قال : لو كانوا ألفا كان لي فيهم رأي .
قال : وأتاه قوم يعتذرون ، وتخلف آخرون ، فقال عليه السلام : وجاء المعذرون ، وتخلّف المكذبون . قال : ومكث أمير المؤمنين عليه السلام أيّاما باديا حزنه ، شديد الكآبة ، ثمّ إنّه نادى في الناس فاجتمعوا فقام خطيبا ، وخطبهم بما
هامش
( 18 ) يقال : « جثا - جثوا - من باب دعا ، والمصدر كالعتو - وجثا - من باب رمى والمصدر كالرمي والحلي - جثيا وجثيا » : جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه ، فهو جاث ، والجمع جثي - بضم الجيم وكسرها - والمؤنث جاثية . والشوك - معروف وهو - : ما يخرج من النبات شبيها بالإبرة ، والواحدة : الشوكة . والجمع : أشواك .
والهراس - كسحاب - : شجر كبير الشوك قال الفيروزآبادي : ثمره كالنبق . وقال في لسان العرب : الجمر ( كفلس ) : النار المتقدة ، واحدته جمرة فإذا برد فهو فحم .
أقول : في هذا التفسير - كتفسير جل اللغويين وتعبيرهم تسامح واضح ، فان الجمر ان كان اسما للنار المتقدة فلا معنى لقوله : فإذا برد فهو فحم . وان كان اسما للجسم الذي اتقدت فيه النار - وهو الصواب - فاللازم أن يقول : الجمر هو الجسم الذي ألهب فيه النار واستولت على جميع أجزائه ، فإذا خمدت النار أو أخمدت فان بقي شيء يصح أن تتقد فيه النار مرة أخرى فهو فحم . والغضا - على زنة العصا - : شجر خشبه من أصلب الخشب ، وجمره يبقى زمنا طويلا لا ينطفئ ، والواحدة منه : غضاة .
( 19 ) وهو إحقاق الحق وابطال الباطل بتنكيل المبطلين ، واستئصال المفسدين .