وأفسدتم عليّ رأيي وخرصي بالعصيان والخذلان ، حتّى قالت قريش وغيرها : إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب ، للّه أبوهم ؟ ! وهل كان منهم رجل أشدّ مقاساة وتجربة ، ولا أطول لها مراسا منّي ، فو اللّه لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، فها أنا ذا قد ذرّفت على السّتّين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع « 17 » .
فقام إليه عليه السلام رجل من الأزد - يقال له جندب بن عفيف ، آخذا
هامش
( 17 ) من قوله عليه السلام : « حتى قالت قريش » إلى قوله : « ولكن لا رأي لمن لا يطاع » قد صدر منه عليه السلام في أزمنة عديدة ، وأمكنة كثيرة ، بانفراده وآونة ، وبادراجة في ضمن الخطب والكلام الطوال أحيانا ، وله أسانيد جمة في كتب الفريقين ، وزبر أجلاء الطائفتين .
وقوله عليه السلام : « للّه أبوهم » كلمة يستعمله العرب في المدح ، والتعجب ، وتعظيم الأمر . وروى المسعودي بدله في مروج الذهب : « تربت أيديهم » وهو دعاء لهم بالفقر ، إذ الفقير يتلطخ بالتراب . و « مراسا » أي مزاولة ومعاناة ، وهو مصدر قولهم : « مارسه ممارسة » و « ذرفت » : زدت ، وهو من باب التفعيل ، وفي مروج الذهب : « وها أنا ذا قد أربيت » أي ارتفعت . وفي الكامل : « وها أنا ذا قد نيّفت » وهو أيضا بمعنى الارتفاع والزيادة .
وقوله : « لا رأي لمن لا يطاع » مثل ، وقيل هو عليه السلام أول من سمع منه هذا المثل ، ومعناه : انه لا أثر ولا فائدة لرأي لا يطاع ، وإنما نفى الرأي - مع أن المنفي هو الأثر - مبالغة كأنه لا وجود له .