يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدّنيا فتكون كالصّعب النّفور « 37 » وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء إلّا قبلته « 38 » ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ، ويشتغل لبّك ، لتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته [ تعقّله « م » ] وتجربته « 39 » ، فتكون قد كفيت مئونة الطّلب ، وعوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، واستبان لك منه [ منها « ب » ] ما ربّما أظلم علينا فيه « 40 » .
يا بنيّ إنّي وإن لم أكن قد عمّرت عمر من كان قبلي « 41 » ، فقد نظرت في أعمارهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من
هامش
( 37 ) وفي معادن الجواهر : « بعض غلبة الهوى » إلخ . وقوله عليه السّلام : « فتكون كالصعب النفور » - أي الفرس غير المذلل الآبي من الدنو منه والركوب عليه - إشارة منه عليه السّلام بأن الصبي إذا لم يؤدب في بدء أمره ، ولم يمرّن في حداثته على الأخلاق الحميدة ، والآداب الحسنة حتى كبر وطعن في السن ، يكون في هذه الحال متنفرا من محامد الصفات ومكارم الأخلاق ، ويفر من الروحانيين كفرار مردة الشياطين من النبيين ، فإذا كان هذا حال من لم يؤدب بالأخلاق الفاضلة ، فكيف حال من ربته يد الالحاد ، والدعوة اللادينية ونغمة المنهمكين في الشهوات ، من حين يحبو ويدرج ، إلى أن يترعرع ويشب ، كجل أطفال المسلمين في عصرنا ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون .
( 38 ) وفي تحف العقول ونهج البلاغة ونظم درر السمطين : « وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ، ما ألقي فيها من شيء قبلته » .
( 39 ) وفي معادن الحكمة ونظم درر السمطين : « فتستقبل بحد رأيك » .
( 40 ) وفي نهج البلاغة : « واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه » إلخ .
( 41 ) يقال : « عمّر الرجل - من باب فعّل - وعمر - من باب علم - عمرا وعمرا وعمارة » :
عاش زمانا طويلا . والمصادر على زنة الفلس والفرس والسحابة . ويقال : « عمره اللّه » :
أبقاه .