ونوّره بالحكمة ، وذلّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء « 22 » ، وأسكنه بالخشية ، وأشعره بالصّبر ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدّهر وفحش تقلّبه وتقلّب اللّيالي والأيّام « 23 » ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم واعتبر آثارهم « 24 » وانظر ما فعلوا ، وأين حلّوا ونزلوا ، وعمّا [ عمّن « ت » ] انتقلوا ، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، وحلّوا دار الغربة « 25 » ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب [ والنّظر « خ » ] فيما لا تكلّف « 26 » ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته [ ضلاله « ت » ] ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلالة خير من ركوب الأهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بلسانك ويدك ، وباين من فعله بجهدك « 27 » ، وجاهد في اللّه حقّ جهاده ، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم ، وخض الغمرات إلى الحقّ حيث كان « 28 » وتفقّه في الدّين ، وعوّد
هامش
( 22 ) أي اطلب منه الاقرار بالفناء . وبصره أي اجعله بصيرا بالفجائع ، أو أره إياها . وهي جمع الفجيعة أي المصيبة التي تفزع بحلولها .
( 23 ) أي حذر قلبك من سطوة الدهر وانقلابه وتغيره عليك ، أو أحذر من كثرة تقلب الدهر والليالي والأيام ، وعدم بقائها على حالة واحدة ، فلا تغتر بنعيمها وسرائها وبهجة منظرها .
( 24 ) وفي النهج : « وسر في ديارهم وآثارهم » إلخ . وفي تحف العقول ونظم درر السمطين :
« وسر في بلادهم وآثارهم » إلخ . وفي البحار : « واقف آثارهم » .
( 25 ) وفي تحف العقول : « وناد في ديارهم : أيتها الديار الخالية أين أهلك ، ثم قف على قبورهم فقل أيتها الأجساد البالية والأعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها » ومثله في نظم درر السمطين .
( 26 ) وفي بعض النسخ من الأصل الحاكي والمحكي عنه : « فيما لم تكلف » .
( 27 ) وباين أي باعد وجانب الفعل الذي هو منكر وقبيح بقدر طاقتك .
( 28 ) وفي النهج : « وخض الغمرات للحق » . والغمرات : الشدائد .