بينكم وبين الشّهوات » .
يا عباد اللّه ما بعد الموت لمن لم يغفر له أشدّ من الموت ، القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته ، إنّ القبر يقول كلّ يوم : « أنا بيت الغربة ، أنا بيت التربة [ التراب خ ] أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدّود والهوامّ » ، والقبر روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النّار [ النيران خ ] إنّ العبد المؤمن إذا دفن قالت الأرض له : مرحبا [ و ] أهلا ، قد كنت ممّن أحبّ أن يمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فتتّسع له مدّ البصر ، وإنّ الكافر إذا دفن قالت له : لا مرحبا ولا أهلا ، قد كنت من أبغض من يمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فتضمّه حتّى تلتقي أضلاعه ، وإنّ المعيشة الضّنك الّتي حذّر اللّه منها عدوّه عذاب القبر « 27 » إنّه يسلّط اللّه على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنّينا فينهشن لحمه « 28 » ويكسرن عظمه ، ويتردّدن عليه كذلك إلى يوم يبعث ، لو أنّ تنّينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا أبدا .
اعلموا يا عباد اللّه إنّ أنفسكم الضّعيفة ، وأجسادكم النّاعمة الرّقيقة الّتي يكفيها اليسير تضعف عن هذا ، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم ممّا لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه فاعلموا بما أحبّ اللّه واتركوا ما كره اللّه .
هامش
( 27 ) كما قال تعالى في الآيات ( 124 - 126 ) من سورة طه :« وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ».
( 28 ) يقال : « نهشه - من باب ضرب ومنع - نهشا » نهشه . تناوله بفمه ليعضه . والمصدر منه على زنة الفلس لا غير .