فعظمت ندامته ، وكثرت حسرته ، وجلّت مصيبته ، فاجتمعت عليه سكرات الموت ، فغير موصوف ما نزل به .
وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته [ منها ] ففارقها بغرّته وأسفه « 3 » ولم يدرك ما طلب منها ، ولم يظفر بما رجا فيها ! ! فارتحلا جميعا من الدّنيا بغير زاد ، وقدما على غير مهاد .
فاحذروا الدّنيا الحذر كلّه ، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقّنتم لو شك زوالها ، وكونوا أسرّ ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها ، فإنّ طالبها كلّما اطمأنّ منها إلى سرور أشخصته عنها إلى مكروه « 4 » وكلّما اغتبط منها بإقبال تغصّه عنها إدبار ، وكلّما ثنت عليه رجلا طوت عنه كشحا ، فالسّارّ فيها غارّ « 5 » والنّافع فيها ضارّ ، وصل رخاؤها بالبلاء ، وجعل بقاؤها إلى الفناء ، فرحها مشوب بالحزن ! ! وآخر همومها إلى الوهن .
فانظروا إليها بعين الزّاهد المفارق ، ولا تنظروا إليها بعين الصّاحب الوامق « 6 » .
هامش
( 3 ) يقال : « اختلج - على بناء المجهول - من بينهم » : مات . ويقال : « خلجه خلجا » - من باب ضرب ونصر - : نزعه . فاختلج : انتفض .
( 4 ) وفي المختار : ( 68 ) من باب الكتب من نهج البلاغة ، والمختار : ( 3 ) من باب الكتب من كتابنا هذا : « فإن صاحبها كلما أطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور » .
وأشخصته : أذهبته .
( 5 ) اغتبط - على بناء المعلوم والمجهول - : فرح وسر . و « تغصّه » : تحزنه وتوقعه في الغصّة .
و « ثنت » - من باب رمى - : عطفت . و « طوت عنه كشحا » : أعرضت عنه بودها .
والسار : المسرور . والغار : المغرور .
( 6 ) الوامق : المحب . يقال : « ومقه يمقه مقة وومقا - كعدة ووعدا - : أحبه . و « وامقه وماقا وموامقة » : أحب كلاهما الآخر « توامق الرجلان » : تحابا . و « تومّقه » تودّده .