وترحمني لأكوننّ من الخاسرين ، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين » .
فهؤلاء أنبياء اللّه وأصفياؤه ، تنزّهوا عن الدّنيا ، وزهدوا فيما زهّدهم اللّه جلّ ثناؤه فيه منها ، وأبغضوا ما أبغض [ اللّه ] وصغّروا ما [ صغّر [ ه ] اللّه ] .
ثمّ اقتصّ الصّالحون آثارهم ، وسلكوا منهاجهم ، وألطفوا الفكر « 13 » وانتفعوا بالعبر ، وصبروا في هذا العمر القصير ، من متاع الغرور الّذي يعود إلى الفناء ، ويصير إلى الحساب .
نظروا بعقولهم إلى آخر الدّنيا ولم ينظروا إلى أوّلها ، وإلى باطن الدّنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها ، وفكّروا في مرارة عاقبتها فلم يستمرئهم « 14 » حلاوة عاجلها ، ثمّ ألزموا أنفسهم الصّبر ، وأنزلوا الدّنيا من أنفسهم كالميتة الّتي لا يحلّ لأحد أن يشبع منها إلّا في حال الضّرورة إليها ، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النّفس وأمسك الرّوح ، وجعلوها بمنزلة الجيفة الّتي اشتدّ نتنها فكلّ من مرّ بها أمسك على فيه ، فهم يبتلغون بأدنى البلاغ ، ولا ينتهون إلى الشّبع من النّتن ، ويتعجّبون من الممتلئ منها شبعا ، والرّاضي بها نصيبا .
في حديث طويل .
كتاب الزواجر والمواعظ للشيخ علي بن محمّد بن شاكر المؤدب الليثي للواسطي رضوان اللّه عليه ، كما رواه عنه المجلسي في الحديث ( 109 ) من الباب ( 122 ) وهو باب حب الدنيا وذمها من البحار : القسم الثالث من ج 15 ، ص 94 ،
هامش
( 13 ) أي أحسنوا الفكر ، وتأملوا بدقة وتلطف فانتفعوا بعبر الدنيا .
( 14 ) يقال : « استمرأ الطعام » : استطيبه وعده - أو وجده - مريئا .