وممّا يدلّك على دناءة الدّنيا أنّ اللّه جلّ ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبّائه نظرا لهم واختيارا « 10 » وبسطها لأعدائه فتنة واختبارا ، فأكرم عنها نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله حين عصب على بطنه من الجوع ، وحماها عن موسى نجيّه المكلّم ، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال ، وما سأل اللّه عزّ وجلّ يوم أوى إلى الظّلّ إلّا طعاما يأكله لما جهده من الجوع « 11 » ، ولقد جاءت الرّواية أنّه قال : أوحى اللّه إليه : إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجّلت عقوبته ، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصّالحين .
وصاحب الرّوح والكلمة عيسى بن مريم عليه السّلام إذ قال : « إدامي الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصّوف ، ودابّتي رجلاي ، وسراجي باللّيل القمر ، وصلاي في الشّتاء مشارق الشّمس « 12 » وفاكهتي ما أنبتت الأرض للأنعام ، أبيت وليس لي شيء ، وليس أحد أغنى منّي » .
وسليمان بن داود وما أوتي من الملك ، إذ كان يأكل خبز الشّعير ، ويطعم أمّه الحنطة ، وإذا جنّه اللّيل لبس المسوح وغلّ يده إلى عنقه وبات باكيا حتّى يصبح ويكثر أن يقول : « ربّ إنّي ظلمت نفسي فإن لم تغفر لي
هامش
( 10 ) نظرا : رأفة وإشفاقا - عليهم واختيارا أي اختيارا لهم واصطفاء لما هو اللائق بحالهم وهو الآخرة ، دون الدنيا الحقيرة الخسيسة .
( 11 ) وفي المختار ( 160 ) : من نهج البلاغة : « وإن شئت ثنيت بموسى كليم اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ يقول :« رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ »( 24 ، القصص ) واللّه ما سأله إلّا خبزا يأكله ، لأنه كان يأكل بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه » .
( 12 ) الصلاء والصلى - كعشاء وعصا - : النار . وقودها .