وأعزّ عزّ ، فيه نجاة كلّ هارب ودرك كلّ طالب « 9 » وظفر كلّ غالب ، وأحثّكم على طاعة اللّه ، فإنّها كهف العابدين ، وفوز الفائزين ، وأمان المتّقين .
واعلموا أيّها النّاس أنّكم سيّارة [ و ] قد حدا بكم الحادي وحدا لخراب الدّنيا حاد « 10 » وناداكم للموت مناد ، فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا ، ولا يغرّنّكم باللّه الغرور .
ألا وإنّ الدّنيا دار غرّاة خدّاعة ، تنكح في كلّ يوم بعلا ، وتقتل في كلّ ليلة أهلا ، وتفرّق في كلّ ساعة شملا ، فكم من منافس فيها ، وراكن إليها « 11 » من الأمم السّالفة قد قذفتهم في الهاوية ، ودمّرتهم تدميرا ، وتبّرتهم تتبيرا ، وأصلتهم سعيرا « 12 » .
أين من جمع فأوعى ؟ وشدّ فأوكى ؟ ومنع فأكدى « 13 » بل أين من
هامش
( 9 ) الدرك والدرك - كالبرق والفرس - : إدراك الحاجة وبلوغها ، أي وفي التقوى يدرك كل طالب حاجته .
( 10 ) هذا هو الظاهر الموافق لما في تنبيه الخواطر ، وفي الأصل : « وحدي لخراب الدنيا حادي وناداكم للموت منادي » .
يقال : « حدا زيد الإبل أو بالإبل - من باب دعا - حدوا وحداء وحداء » : ساقها وغنى لها ، فهو حاد والجمع حداة . و « حدت الريح السحاب » : ساقته وحداه على كذا :
بعثه وساقه .
( 11 ) وفي تنبيه الخواطر : « فكم من متنافس فيها . . . » . يقال : « نافس فلان في الأمر نفاسا ومنافسة ، وتنافس القوم في الأمر تنافسا » : رغبوا فيه . وراكن إليها : ساكن إليها وواثق بها .
( 12 ) قذفتهم في الهاوية : ألقتهم في جهنم . ودمرتهم : أهلكتهم . وتبرتهم : أهلكتهم . وأصلتهم سعيرا : أدخلتهم النار الموقدة ، من قولهم : « صلى فلانا النار من باب رمى - : أدخله إياها وأثواه فيها .
( 13 ) يقال : « أوعى الشيء ايعاعا » : جعله في الوعاء أي الظرف . وأوعى الرجل المال وعليه :
شحّ وبخل عليه . و « أوكى الرجل ايكاء » : بخل . سعى شديدا . والقربة : شدّها بالوكاء .
و « أكدى زيد إكداء » : بخل في العطاء . و « سألت زيدا فأكدى » أي فوجدته مثل الكدية أي الأرض الصلبة الغليظة التي لا يمكن حفرها . أو الصفاة العظيمة الشديدة التي لا يمكن كسرها . و « أكدى فلانا عن حاجته » . رده عنها ومنعها منه .