أمسك عن الفضول عدّلت رأيه العقول ، « 42 » ومن حصر شهوته فقد صان قدره ، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته ، « 43 » وفي تقلّب الأحوال علم جواهر الرّجال ، والأيّام توضح لك السّرائر الكامنة ، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة « 44 » ، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة ، وأشرف الغنى ترك المنى ، والصّبر جنّة من الفاقة ، والحرص علامة الفقر ، والبخل جلباب المسكنة ، والمودّة قرابة مستفادة ، ووصول معدم خير من جاف مكثر « 45 » ، والموعظة كهف لمن وعاها ، ومن أطلق طرفه كثر أسفه « 46 » ، ومن ضاق خلقه ملّة أهله ، ومن نال استطال ، قلّ ما تصدّقك الأمنيّة ، التّواضع يكسوك المهابة ، وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق « 47 » من كساه الحياء ثوبه ، خفي على النّاس عيبه ، تحرّ القصد من القول ، فإنّه من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن « 48 » ، في خلاف النّفس
هامش
( 42 ) أي حكم العقول بتعديل رأيه وصوابه .
( 43 ) قيل : أمنه - بالفتح - أي أمن قومه من شره .
( 44 ) قيل : معنى الكلام : إنه لا ينفعك ما تبصره وتسمع كالبرق الخاطف ، بل ينبغي أن تواظب وتستضيء دائما بأنوار الحكم ، لتخرجك من ظلمات الجهل . ويحتمل أن يكون المراد : انّه لا ينفع ما تبصر وما تسمع من الآيات والمواعظ مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب .
( 45 ) أكثر ما هنا مذكور في وصاياه عليه السّلام إلى أبنائه : الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية عليهم السّلام .
( 46 ) وفي الروضة بعد ذلك هكذا : « وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله ، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان » إلخ .
( 47 ) وفي الروضة بعد ذلك هكذا : « كم من عاكف على ذنبه في آخر عمره » .
( 48 ) « تحر » أمر وطلب ، وبابه تفعل ، و « القصد » - كفلس - التوسط . و « المؤن » : جمع المؤنة - كغرفة - والمئونة - كأمومة - : القوت . الثقل .