أيّها النّاس أعجب ما في الإنسان قلبه « 27 » وله موادّ من الحكمة وأضداد من خلافها ، فإن سنح له الرّجاء أذلّه الطّمع « 28 » وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ ، وإن أسعد بالرّضى نسي التحفّظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن « 29 » وإن اتّسع بالأمن استلبته الغرّة « 30 » وإن جدّدت له نعمة أخذته العزّة « 31 » وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضّته فاقة شغله البلاء « 32 » وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أجهده الجزع قعد به الضّعف « 33 » ، وإن أفرط في الشّبع كظّته البطنة « 34 » فكلّ تقصير به مضرّ ، وكلّ إفراط له مفسد .
أيّها النّاس من قلّ ذلّ ، ومن جاد ساد ، ومن كثر ماله رأس « 35 » ومن
هامش
( 27 ) من قوله عليه السّلام : « أيها الناس - إلى قوله : - وكل إفراط له مفسد » - قد تواتر عنه عليه السّلام كما ذكرناه في شواهد المختار : ( 108 ) من قصار نهج البلاغة ، - ويأتي أيضا في المختار : ( 149 ) من كتابنا هذا ، في هامش ص 523 - وهو قوله عليه السّلام : « ولقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه ، وذلك القلب . . . » .
( 28 ) سنح له أي ظهر وبدا له .
( 29 ) وفي الروضة والنهج : « وإن ناله الخوف شغله الحذر » إلخ .
( 30 ) الغرة - بكسر المعجمة - : الاغترار والغفلة ، واستلبته أي سلبته عن رشده .
( 31 ) وكأنّه إشارة إلى الآية ( 206 ) من سورة البقرة :« وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ».
( 32 ) أي ان اشتد عليه الفقر والفاقة منعته عن التحفظ على مصالحه .
( 33 ) وفي الروضة والنهج : « وإن جهده الجوع قعد به الضعف » إلخ .
( 34 ) الكظة - بالكسر - : ما يعتري الإنسان عند امتلائه من الطعام ، والبطنة - بالكسر - :
الامتلاء المفرط من الأكل .
( 35 ) يقال : رؤس - ( من باب ضرب ونصر ) رئاسة أي صار رئيسا . قيل : ويحتمل أن يكون من « راس يروس » أي مشى متبخترا أو أكل كثيرا .