مدبرة مولّية ، فهي تهتف بالفناء وتصرخ بالموت ، قد أمرّ منها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلّا شفافة كشفافة الإناء وجرعة كجرعة الإداوة لو تمزّزها الصّديان لم تنقع غلّته « 8 » فأزمعوا عباد اللّه على الرّحيل عنها « 9 » ، وأجمعوا متاركتها ، فما من حيّ يطمع في بقاء ، ولا نفس إلّا وقد أذعنت للمنون ، ولا يغلبنّكم الأمل ، ولا يطل عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ، ولا تغترّوا بالمنى وخدع الشّيطان وتسويفه ، فإنّ الشّيطان عدوّكم حريص على إهلاككم ، تعبّدوا للّه - عباد اللّه - أيّام الحياة ، فواللّه لو حننتم حنين الواله المعجال « 10 » [ الولّة العجال « خ » ] ، ودعوتم دعاء الحمام ، وجأرتم جؤار متبتّلي الرّهبان ، وخرجتم إلى اللّه عزّ وجلّ من الأموال
هامش
( 8 ) الشفافة : بقية الماء من الإناء . والجرعة - مثلثة الجيم - : البلعة من الماء والإداوة قيل : هي المطهّرة أي الماء الذي يتطهر به . وتمززها : أمتصها قليلا قليلا . والصديان : العطشان :
ويقال : « نقع الماء عطشه - من باب منع - نقعا » : سكنه وقطعه ، والغلة - بضم الغين - :
العطش الشديد .
( 9 ) فأزمعوا : فأعزموا : وفي نهج البلاغة : « فأزمعوا عباد اللّه الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال ، ولا يغلبنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم الأمد ، فو اللّه لو حننتم حنين الوله العجال ، ودعوتم بهديل الحمام وجأرتم جوآر متبتل الرهبان . . . » .
( 10 ) من هنا - إلى قوله : « حق نعمة اللّه عليكم » - ذكره الباعوني آخر الباب ( 48 ) من جواهر المطالب الباعوني - جواهر المطالب - آخر الباب ( 48 ) الورق 48 وفي ط 1 : ج 1 ، ص 304 الورق 48 وفي ط 1 : ج 1 ، ص 304 قال :
قال بكر بن خليفة قال علي بن أبي طالب ( عليه السّلام ) :
أيها الناس إنكم - واللّه - لو حننتم حنين الواله . . . وساق الكلام باختلاف في بعض الألفاظ .
والحنين : صوت الحزين . والواله : شديد الحزن مدهوش العقل . والمعجال والعجال :
التي فقدت ولدها . ودعاء الحمام - أو هديله - في رواية نهج البلاغة - : صوته الوجيع لفقد إلفه . وجأرتم جوار متبتلي الرهبان : رفعتم أصواتكم بالتضرع إلى اللّه كرفع متبتلي الرهبان أي المنقطعين منهم للعبادة الرافعين إلى اللّه أصواتهم بالابتهال .